تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 540

مساهمون:

ص٥٤٠
أولئك الملوك ، واللّه أعلم . قال القتبي :
وَرَهْبانِيَّةً
: أي : العبادة ، يعني : الخوف . و
ابْتَدَعُوها
الابتداع أن تفعل شيئا لم يفعل قبلك ، يقال منه : أبدعت ، وابتدعت ، وبدعت أيضا . وقيل : الرهبانية اسم مبني من الرهبة ، لما فرط فيه وقد نهى اللّه عنه بقوله :
لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ
[ النساء : 171 ] ويقال : دين اللّه بين المقصر والغالي . وقوله :
ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ
، أي : ما أمرناهم بها ، واللّه أعلم . قوله تعالى :

[ سورة الحديد ( 57 ) : الآيات 28 إلى 29 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 28 ) لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 29 ) وقوله - عزّ وجل - :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ
يقول بعض أهل التأويل : يا أيها الذين آمنوا بعيسى بن مريم آمنوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم . ولكن هذا ضعيف ؛ لأن الإيمان برسول من الرسل إيمان بجميع الرسل عليهم السلام . وتأويل الآية : يا أيها الذين آمنوا بالرسل جملة على غير الإشارة والتفسير ، آمنوا برسول اللّه محمد صلى اللّه عليه وسلم على الإشارة به ؛ لأن الإيمان بالرسل على غير الإشارة أمر سهل وإنما يصعب الإيمان به ويشتد بالإشارة إلى واحد ؛ لأنه لما آمن بالمشار إليه ، لزمه اتباع أمره ، ونهيه ، ولزمه موالاة من والاه واتبعه ، ويلزمه معاداة من عاداه وخالفه في أمره ونهيه وترك اتباعه ، وإن كان له أبناء وآباء ، وذو إحسان ، يجب أن يكون أحب الناس إليه وأقرب وأبر ، فهذه معاملة الرسول الذي آمن به على الإشارة إليه وأنها تشتد في الطلب . وأما عند الإجمال والإرسال فأمر سهل إنما فيه تصديق كل صادق وتكذيب كل كاذب ، وكل الناس قد اعتقدوا أصل تصديق الصادق وتكذيب الكاذب ، وليس في الإجمال والإرسال ، إلا ذلك ، وأما عند التعيين يوجد الامتحان ، وبه يظهر نفاق المنافقين وتحقيق المؤمنين المحققين ، وذلك قوله :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ . وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ
[ محمد : 29 ، 30 ] ، ظهر نفاقهم بما أمروا بالجهاد والخروج معه على الإشارة ، وكقوله :
وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ . فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ
[ التوبة : 75 ، 76 ] ، وقد وعدوا في الجملة أنه لو أعطاهم كذا من فضله لنصدقن ، فلما أوتوا ذلك وأمروا بإخراجه أبوا إخراج ذلك عند الإشارة إليه ؛ فعلى ذلك جائز أن يكون تأويله : يا أيها الذين آمنوا
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 540 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم