تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 539

مساهمون:

ص٥٣٩
قيل : كيف وقع بينهم من العداوة والبغضاء ما وقع وسبب الجمع قائم ، حتى استحل بعضهم قتال بعض من نحو الخوارج والمعتزلة ؟ قيل : إنما وقع ذلك فيما بينهم وإن كان سبب الجمع قائما ؛ لما كانت تلك الألفة والرأفة بلطف من اللّه تعالى ، وقد زال ذلك اللطف وارتفع ، وحدث بينهم ما حدث . أو نقول : إن الخوارج قد أحدثوا من أنفسهم أشياء حتى سموا المسلمين كفرة بما ارتكبوا الكبائر ، حتى نصبوا القتال والحرب معهم ، وكذلك المعتزلة سموا أصحاب الكبائر : فسقة وفجرة ومنزلتهم بين الكفر والإيمان ومن سمّى آخر : كافرا أو فاسقا ، فلا شك أن يحدث بينهما عداوة وتباغض ، فما حدث بيننا وبينهم من العداوة بتسميتهم إيانا فسقة وفجرة وكفرة بارتكاب الكبائر ، وإن كان السبب الذي جمعهم قائما عندنا ، واللّه الموفق . وقوله - عزّ وجل - :
وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ . . .
الآية ، ذكر في القصة أن في الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد - عليهما الصلاة والسلام - كان من بني إسرائيل ملوك غيروا التوراة والإنجيل ، وبقي منهم أناس مؤمنون بعيسى - عليه السلام - ويعملون بما في الكتب ، فهم هؤلاء الملوك أن يقتلوهم لإبائهم اتباعهم والعود إلى مذهبهم ، فخرجوا من بينهم ، فترهبوا ؛ رجاء أن يتخلصوا منهم « 1 » ، فذلك
وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ
، أي : فرضنا عليهم تلك الرهبانية ، ولم نأمرهم بها ، ولكن فرض عليهم وكتب في الجملة أن يطلبوا رضوان اللّه فابتدعوا تلك الرهبانية ؛ رجاء أن يكون فيها رضوان اللّه ، واللّه أعلم . قال :
فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها
، أخبر أنهم ابتدعوا شيئا لم يكتب عليهم ، ثم ذكر أنهم لم يرعوه حق رعايته ، ذمهم ، لتركهم الرعاية لما ابتدعوه ، ففيه دلالة أن من افتتح أمرا لم يفرض عليه من صلاة أو صوم أو نحو ذلك ، ثم لم يقم بوفائه وإتمامه ، لحقه ذم كما لحق هؤلاء . وقوله - عزّ وجل - :
فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ
أخبر أن الذين آمنوا وثبتوا على الإيمان أنه يؤتيهم أجرهم ، أي يوجب لهم أجرهم ،
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ
، أي : كافرون . كذلك ذكر في حرف ابن مسعود رضي اللّه عنه : وكثير منهم كافرون وذكر أن بعضا بعد ما ترهبوا اشتد عليهم الترهب ؛ فعادوا ، ورجعوا ، ودخلوا في دين
هامش
( 1 ) أخرج هذه القصة النسائي والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير ( 33676 ) وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس بنحوه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 259 ) .