تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 538

مساهمون:

ص٥٣٨
أن يكتسب بذلك العز لنفسه ؛ حيث أخبر أنه قوي بنفسه عزيز بذاته ، ولكن أمرهم بما أمر ، واستعملهم فيما استعمل ؛ لنصر أنفسهم ولقوتهم ، واللّه أعلم . قوله - عزّ وجل - :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ
، وإنما ذكر نوحا وإبراهيم - واللّه أعلم - لما أخبر أنه جعل في ذريتهما النبوة والكتاب ؛ وإلا قد ذكر الرسل بجملتهم في قوله تعالى :
لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ
؛ فدخل نوح وإبراهيم - عليهما السلام - في قوله :
لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ
، ثم ذكر أن منهم من اهتدى - أي : من قومهم - وكثير منهم فاسقون بقوله :
فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ
، يخبر رسوله عليه الصلاة والسلام أنه قد كان في قومهم من اتبعهم ؛ فصاروا مهتدين ، ومنهم من ترك اتباعهم ، وخرجوا من أمر اللّه ؛ فصاروا فاسقين ، يصبره ، ويسكن قلبه على ما كان في قوم من تقدم من الرسل من المجيبين لرسله والتاركين للإجابة كقومك ، أي : لست أنت بأول من كذب ورد قوله ؛ تعنتا وعنادا ، واللّه الهادي . وقوله - عزّ وجل - :
ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا
أخبر أنه جعل في ذريتهما النبوة والكتاب ، وبعث منهم رسلا . ذكر في الآية الأولى أنه جعل في ذريتهما النبوة والكتاب ، ولم يذكر الرسالة ، وذكر في هذه الآية الرسالة فيهم وفي ذريتهم ، أي : أرسلنا رسولا على أثر رسول ، وأتبعنا بعضهم بعضا : من قفا يقفو . ثم ذكر أنه قفى بعيسى بن مريم ؛ لأن عيسى - عليه السلام - من أولاد إسحاق - عليه السلام - وبعث محمدا صلى اللّه عليه وسلم من بعد ، وهو من ولد إسماعيل ، عليه السلام . وقال بعض أهل التأويل « 1 » : وقفينا أي أتبعنا ، ويقال : قفيت فلانا ، أي : عينته وسميته ، وقفوته أقفوه قفوا وقفيا ، واقتفيت به ، أي : لزمته . وقوله - عزّ وجل - :
وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً
، وصف اللّه تعالى الذين اتبعوا الرسل وآمنوا بهم بالرحمة والرأفة فيما بينهم ، وهو كما ذكر في آية آخرى :
إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً
[ آل عمران : 103 ] ، وقال :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا
[ مريم : 96 ] ، وقال في آية أخرى :
أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
[ الفتح : 29 ] ، وقال :
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ
[ المائدة : 54 ] ، ونحو ذلك ؛ وذلك لأن السبب الذي جمعهم واحد ، وهو التوحيد والإسلام .
هامش
( 1 ) انظر : تفسير ابن جرير ( 11 / 689 ) .