تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 490

مساهمون:

ص٤٩٠
الماضية ،
وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ
أي : من هذه الأمة ، وهكذا يكون عدد أهل الإيمان من هذه الأمة مع الأمم الماضية يكون هؤلاء أقل منهم . ويحتمل - أيضا - أن السابقين المقربين من الأمم السابقة أكثر من السابقين المقربين من هذه الأمة ؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - كلهم من الأمم السالفة . وقال أهل التأويل لما نزلت :
ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ . وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ
، وجد أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وجدا شديدا ، وقالوا : لن يدخل الجنة منا إلا قليل ؛ فنزل قوله تعالى :
ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ . وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ
[ الواقعة : 39 ، 40 ] « 1 » . لكن هذا لا يحتمل ؛ لأنه خبر ، ولا يرد في الأخبار نسخ ، وما قالوه لا يصح ، والوجه فيه ما ذكرنا . ويحتمل قوله تعالى :
ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ
[ الواقعة : 39 ، 40 ] هم أصحاب اليمين من الأولين والآخرين ، وهم جماعة كثيرة من الأولين ، وجماعة كثيرة من الآخرين في المقربين خاصة ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ
، وقال في آية أخرى :
عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ
[ الطور : 20 ] ، والسرر قد تكون في الدنيا مصفوفة ، ولكن لا تكون موضونة ؛ أي : منسوجة ؛ والوضن - هو النسج - لا يكون بين السرر في الآخرة انفصال ولا فروج ، كما يكون في الدنيا ، لكن موصولة بعضها ببعض . وقوله - عزّ وجل - :
مُتَّكِئِينَ عَلَيْها
، أي : على السرر التي ذكر أنها مصفوفة موضونة . وقوله :
مُتَقابِلِينَ
، أي : يقابل [ بعضهم ] بعضا ، ولا يعرضون ، ولا ينظر بعضهم إلى بعض باحتقار كما يجعل أهل المجالس في الدنيا يعرض بعضهم عن بعض ويحقر بعضهم بعضا يخبر أنهم يكونون في الآخرة خلاف ما في الدنيا ، لا يتأذى بعض من بعض بوجه ما . وقوله - عزّ وجل - :
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ
فيه أنهم يعطون في الجنة ما يستحبون في الدنيا من الشرف وطواف الولدان ، وكذلك ما ذكر من السرر والفرش ، وغير ذلك من أنواع ما ترغب أنفسهم فيه . ثم ذكر أنهم ولدان ، وإن لم يكن في الجنة ولاد ؛ فهو يخرج على وجهين : أحدهما : أن يكونوا على هيئة الولدان وإن لم يولدوا .
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد وابن المنذر وابن مردويه وابن أبي حاتم عن أبي هريرة ، كما في الدر المنثور ( 6 / 218 ) .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 490 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم