تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 452

مساهمون:

ص٤٥٢
قال أبو عوسجة : وقيل : الأشر ، والأشر هو البطر - كما يقال : حذر وحذر - وهو المرح المتكبر . وقوله - عزّ وجل - :
سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ
قرئ بالياء والتاء ؛ فمن قرأ بالياء احتج بقوله
فِتْنَةً لَهُمْ
، ولم يقل « لكم » ، ومن قرأ بالتاء جعل الخطاب من رسول الله صلى اللّه عليه وسلم للكفرة ، أي : ستعلمون غدا عند نزول العذاب بكم من الكذاب أنا أو أنتم ؟ وهذا وعيد منه لهم . وقوله - عزّ وجل - :
إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ
؛ لنفتنهم بها ، ونمتحنهم ، لم نعطهم مجانا جزافا ؛ كقوله - عزّ وجل - :
وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ
[ الأعراف : 168 ] ، وقوله - تعالى - :
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً
[ الأنبياء : 35 ] . وقوله - عزّ وجل - :
فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ
أي : فارتقبهم بما يكون منهم من التكذيب للناقة والعقر لها . ويحتمل أن يكون قوله - عزّ وجل - :
فَارْتَقِبْهُمْ
هو خطاب لرسوله عليه الصلاة والسلام في حق أهل مكة ، كقوله
فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ
[ الدخان : 10 ] . وقوله :
وَاصْطَبِرْ
أي : اصطبر على أذاهم ، ولا تكافئهم . أو اصبر على تبليغ الرسالة . وقوله - عزّ وجل - :
وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ
، وقال في آية أخرى :
لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ
[ الشعراء : 155 ] وفيه من الفوائد والدلائل : أحدها : أن تلك الناقة كانت عظيمة على خلاف سائر النوق ؛ حتى احتاجت هي إلى الماء مثل الذي احتاج إليه سائر النوق وأهلها ؛ حتى قسم الماء بينها وبين سائر النوق . وفيه : أنه لا بأس بقسمة الشرب ؛ حيث ذكر في الآية قسمة الماء ، وذكر في آية أخرى :
شِرْبُ يَوْمٍ
[ الشعراء : 155 ] وهو قسمة بالأيام . وقوله - عزّ وجل - :
كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ
أي : كل شرب بحضرة من له شرب ذلك ، لا يحضره غيره . وفيه : أن تلك الناقة وإن كانت آية ومعجزة له ، فكانت تعتلف وتشرب كسائر النوق التي ليست هي بآيات ، وإن كانت تخالف سائر النوق في عظمها ، وقدر علفها وشربها . ثم جعل الماء بينها وبين أولئك القوم بالقسمة ، ولم يجعل العلف بينها وبينهم بالقسمة ؛ لاشتراكهم جميعا في الماء - أعني : البهائم والبشر - وحاجة كل منهم إلى الماء ، فلذا جعل النبات مشتركا بينها وبين سائر البهائم ؛ لأن في ذلك كثرة ، فلا حاجة إلى