وقوله - عزّ وجل - :
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ
يخرج على وجهين :
أحدهما : أليس ما وعد لهم رسلي من العذاب بالتكذيب صدقا حقّا ، وأريد بقوله :
وَنُذُرِ
أي : رسلي .
والثاني : أليس وجدوا عذابي شديدا ونذري ما وقعت به النذارة ، وهو العذاب الذي أنذروا به ، والنذر على هذا التأويل المنذر به ؛ كقوله - تعالى - :
وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا
[ الإسراء : 5 ] أي : موعودا ، وإلا وعده لا يكون مفعولا ؛ إذ هو صفة أزلية .
وقوله - عزّ وجل - :
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
هذا يحتمل وجوها :
أحدها :
يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ
أي : للحفظ ؛ أي : صيرناه بحيث يحفظه كل أحد من صغير وكبير ، وكافر ومؤمن وكل أحد يتكلف حفظه .
والثاني :
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ
أي : لذكر ما نسوا من نعم اللّه - تعالى - عليهم ، ولذكر ما أنبأهم فيه من أخبار الأوائل من مصدقيهم مذكر .
والثالث : جائز أن يكون لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خاصة ؛ أي : يسرناه عليه حتى حفظه كله عن ظهر قلب ؛ حتى إذا أراد أن يذكر شيئا منه يذكر في كل وقت وكل ساعة أراد ؛ كقوله - تعالى - :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
[ القيامة : 16 ، 17 ] ، وقوله - عزّ وجل - :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلى قَلْبِكَ
[ الشعراء : 193 ، 194 ] وقوله - تعالى - :
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى . إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
[ الأعلى : 6 ، 7 ] ، أمنه عن أن ينساه ، ومنّ عليه بالتيسير .
وقوله :
فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
فعلى التأويل الأول - واللّه أعلم - : أنه وإن يسرنا القرآن للحفظ ، ولكن لم ينزل للحفظ ، ولكن إنما أنزل ليذكر ما فيه ، وللاتعاظ به ؛ أي : فهل من متعظ به .
وعلى التأويل الآخر :
فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
خرج مخرج الأمر ؛ أي : اذكروا واتعظوا بما فيه من الأنباء ، واللّه أعلم .
قوله تعالى :
[ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 18 إلى 32 ]
كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ( 18 ) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ( 19 ) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ( 20 ) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ( 21 ) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 22 )
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ( 23 ) فَقالُوا أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ( 24 ) أَ أُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ( 25 ) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ ( 26 ) إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ ( 27 )
وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ ( 28 ) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ ( 29 ) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ( 30 ) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ( 31 ) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 32 )