يحتمل أن يقول - واللّه أعلم - : كما أنكم لا تشكون فيما تنطقون ؛ فعلى ذلك لا تشكون في أمر الساعة وقيامها وكونها ؛ كما يقال : هذا ظاهر بين كالنهار .
وقال الزجاج :
إِنَّهُ لَحَقٌّ
، أي : لحق مثل حضوركم ونطقكم ومثل النهار ، أو كلام نحوه .
ويحتمل أن يقول : إن من قدر على إنطاق هذه الألسن وتكليمها حتى يفهم منها حاجتهم ، وهي قطعة ، وليس فيها شيء من آثار النطق والكلام ؛ إذ يكون مثله للبهائم ثم لا يفهم منه ذلك ، ولا يكون منه النطق - قدر على البعث والإعادة ؛ إذ هذا في الأعجوبة أكثر وأعظم من ذاك ، واللّه الموفق .
قوله تعالى :
[ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 24 إلى 37 ]
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ( 24 ) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ( 25 ) فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ( 26 ) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَ لا تَأْكُلُونَ ( 27 ) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ( 28 )
فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ ( 29 ) قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ( 30 ) قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ( 31 ) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ( 32 ) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ ( 33 )
مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ ( 34 ) فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 35 ) فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 36 ) وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ ( 37 )
وقوله - عزّ وجل - :
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ .
قد ذكرنا فيما تقدم في غير موضع : أن حرف الاستفهام من اللّه تعالى على الإيجاب والإلزام .
وقوله - عزّ وجل - :
هَلْ أَتاكَ
، يخرج على وجهين :
أحدهما : أي : قد آتاك حديث ضيف إبراهيم ، فحاج به أولئك ، وخاصمهم .
والثاني : لم يأتك بعد ، ولكن سيأتيك حديث ضيف إبراهيم ، فإذا أتاك به فحاج على أولئك الكفرة به ، واللّه أعلم .
ثم قوله :
حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ
دل على أن اسم الضيف يقع على من يطعم ويتناول ، وعلى من لا يطعم ولا يتناول ؛ لأنه سمى الملائكة : ضيف إبراهيم ، وإن لم يطعموا ، ولم يكن غذاؤهم الطعام .
وفيه أن الضيف اسم يقع على العدد والجماعة .
وقوله :
الْمُكْرَمِينَ
سماهم : مكرمين ؛ لأن إبراهيم - عليه السلام - كان يخدمهم