لأن سؤاله سؤال استرشاد ، وقوم موسى - عليه السلام - لما سألوا رؤية الرب تعالى بقولهم :
أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً
[ النساء : 153 ] فأهلكوا ؛ لأنهم سألوا سؤال استهزاء وتعنت ، لا سؤال استرشاد ، وأصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سألوا - أيضا - الرؤية ، فبشروا ووعدوا في الآخرة ؛ لما أنهم سألوا سؤال استرشاد ، لا سؤال استهزاء ، فعلى ذلك أولئك الكفرة سألوا عن القيامة سؤال استهزاء متى تكون الساعة التي تعدنا بها ؟ وأين وقت العذاب الذي تعدنا به ؟ لذلك قال جوابا لهم :
يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ
، واللّه أعلم .
وفي الآية دلالة على أن الحكم لا يبنى على ظاهر المخرج ؛ فإنه لا فرق بين سؤال الكفرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الساعة وبين سؤال جبريل - عليه السلام - عن الساعة ، ثم أجاب لجبريل - عليه السلام - : « ما المسؤول عنها بأعلم من السائل » « 1 » ثم الجواب للكفرة :
يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ
، ثم من شهد النوازل علم المراد من النازلتين : أن أحد السؤالين خرج على الاستهزاء ، والآخر على الاسترشاد ؛ فحملوا أحد الجوابين على إحدى الحالتين ، والآخر على الحال الأخرى ؛ دل أن الحكم لا يبنى على ظاهر المخرج ، ولكن يجب النظر ؛ ليعرف المراد : إما بسؤال من شهد النازلة ، أو من حيث المعنى المودع فيه ، واللّه أعلم .
ثم قوله :
يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ
يخبرهم عن اليوم الذي يفتنون فيه ، وقيل فيه بوجهين :
أحدهما :
يُفْتَنُونَ
، أي : يبتلون ، ويمتحنون بالشدة والعذاب ، والفتنة : هي المحنة التي فيها الشدة والبلاء ، فسمي العذاب : فتنة ؛ لما فيه من الشدة .
وقال بعضهم « 2 » : يفتنون ، أي : يحرقون .
وقوله - عزّ وجل - :
ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ
، أي : ذوقوا العذاب [ الذي ] فيه الشدة .
وقوله - عزّ وجل - :
هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ
، أي : تستعجلون في الدنيا ، وتزعمون أنه لا يكون في الآخرة .
قوله تعالى :
[ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 15 إلى 23 ]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 15 ) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ ( 16 ) كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ( 17 ) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ( 18 ) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ( 19 )
وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ ( 20 ) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ( 21 ) وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ ( 22 ) فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ( 23 )
وقوله - عزّ وجل - :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
، والإشكال : كيف ذكر أن المتقين في
هامش
( 1 ) تقدم .
( 2 ) قاله مجاهد ، أخرجه ابن جرير عنه ( 32089 ) وهو قول عكرمة وسفيان وابن زيد .