تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
ذات الحبك ، وموضع القسم :
إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ .
ثم اختلف في تأويل قوله تعالى :
وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ
: روي عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - :
ذاتِ الْحُبُكِ
قال : حسنها واستواؤها « 1 » . وقال بعضهم « 2 » : ذات حبك ، أي : ذات بنيان متقن محكم . وكلا التأويلين يرجعان إلى واحد ؛ فإن حسن خلق السماء بالإتقان والإحكام ؛ يقال للحائك إذا أحسن النسج وأحكمه : حبك الثوب . وقال الحسن : حبكت بالنجوم ، وحبكت بحسن الخلق « 3 » . وقال بعضهم « 4 » : ذات الشدة والاستواء ، يقال : حبكت الحبل ؛ إذا شددت فتله ، كذلك قال أبو عبيدة . وقال القتبي :
ذاتِ الْحُبُكِ
: ذات الطرائق ، وكذلك قال أبو عوسجة . ثم هو على ما ذكرنا من الوجهين : أن القسم بعين السماء ، أو رب السماء ، واللّه أعلم . ثم قوله - عزّ وجل - :
إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ
يخرج على وجوه : أحدها : إنكم لفي قول مختلف في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وفي القرآن ، ما لو كان ذلك القول منكم عن علم ومعرفة ؛ لم يخرج مختلفا متناقضا ؛ لأنهم قالوا في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إنه مجنون ، وإنه ساحر ، وإنه شاعر ، وإنه مفتر ؛ وهذا مختلف متناقض ؛ لأن الساحر هو الذي يبلغ في معرفة الأشياء غايتها ، وكذا الشاعر ، ولا يحتمل أن يبلغ المجنون ذلك المبلغ بحال ؛ فيكون نسبتهم إياه إلى هذه الجملة في حال واحدة يخرج على التناقض ، وكذلك قولهم في القرآن : إنه أحاديث الأولين ، وإنه مفترى ، والافتراء خلاف الأساطير ، مع أنهم عجزوا عن إتيان مثله ؛ فيكون هذا تناقضا في القول ؛ فدل اختلافهم في القول فيهما على أنهم قالوا ذلك عن جهل ، لا عن علم ؛ إذ لو كان عن علم بذلك ، لكان لا يختلف ولا يتناقض ، وهذا الخطاب على هذا التأويل يكون للكفرة . والثاني : إنما قال ذلك في الدلالة على البعث :
إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ
أي : في عقولكم الاختلاف والافتراق بين المصلح والمفسد ، والمحسن والمسئ ، وقد عرفتم الاستواء
هامش
( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 32041 ) ، ( 32049 ) . ( 2 ) قاله مجاهد ، أخرجه ابن جرير عنه ( 32054 ) . ( 3 ) أخرجه ابن جرير ( 32044 ) - ( 32046 ) . ( 4 ) قاله ابن زيد بنحوه ، أخرجه ابن جرير عنه ( 32056 ) .