وقال بعضهم : هم الملائكة الذين ينزلون بالوحي ، يأخذ هذا من هذا ؛ إذ لله تعالى أن يرسل الوحي على يدي من يشاء من ملائكته ، واللّه أعلم .
ثم اختلف في ذكر هذه الأشياء من الرياح والسفن ، والسحاب والملائكة ، لما ذا ؟
قال عامة أهل التأويل : إنما ذكرها على القسم بها .
وقال بعضهم : إنما ذكرها على سبيل تعداد النعم والمنافع التي جعلها اللّه لهم .
واحتج هؤلاء وقالوا : إن اللّه تعالى نهانا عن القسم بغيره ، فكيف [ يقسم ] بغيره فيكون ذكر هذه الأشياء على الامتنان ، لا على القسم .
والقائلون بالقسم اختلفوا : فمنهم من يقول : القسم بأعيان هذه الأشياء ؛ لعظم منافع [ هذه ] الأشياء عند الخلق .
ومنهم من يقول : إن القسم بالله تعالى لا بعين هذه الأشياء ؛ على الإضمار ؛ كأنه قال :
والذي ذرا الذاريات ذروا ، والذي خلق الحاملات وقرا ، فالجاريات يسرا ، والمقسمات أمرا ، وهو كقوله تعالى :
فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
[ الذاريات : 23 ] ؛ فيكون القسم بخالق هذه الأشياء لا بأنفسها ، وكل واحد من الوجهين [ محتمل ] ؛ لأن القسم خرج لرفع شبهة الكفرة في البعث وارتيابهم فيه بعد ما أقام عليهم حجج البعث وبراهينه على أنه كائن لا محالة ، ونظروا فيها لزوال ذلك الارتياب والشبهة عنهم ، والقسم ؛ لتأكيد ما وقع عليه بما يكون عندهم له حرمة وقدر وعظمة ، قيد لهم ذلك على تأكيد الخبر المقرون بالقسم ، فالقسم من اللّه تعالى بأنه خالق هذه الأشياء المذكورة مما يجل ويعظم عند الكفرة ؛ لما كانوا يقسمون بالله تعالى عند عظم الأمور ، كما أخبر تعالى :
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ
[ الأنعام : 109 ] ، فيصلح لتأكيد ما وقع عليه القسم ، وكذلك القسم بهذه الأشياء يصلح مؤكدا لعظم خطر هذه الأشياء عندهم ؛ لما تجل منافع هذه الأشياء ، والعرف في الناس أنهم إنما يقسمون بالذي عظم خطره ، وجل قدره عندهم ؛ فأقسم اللّه تعالى بهذه الأشياء ؛ لما عرف عظم خطرها وجليل قدرها عندهم ، فمنافع الرياح مما يكثر عدها : قد أهلك بها أقواما ، وبها استأصلهم ، وبها تلقح الأشجار المثمرة وغيرها ، وبها يساق السحاب في الآفاق للإمطار ، وبها تجري السفن في البحار ، وغيرها من المنافع ، وبها سبب حياة الحيوانات بالتنفس ، ودخول الريح فيهم ، ونحوها في تذرية الطعام بحيث لولاها لتحرج الناس في التذرية .
وفيها آيات ؛ فإن الريح جسم لطيف يرى ولا يدرك ؛ ليعلم أن الرؤية لا توجب الإحاطة والإدراك ، وغير ذلك من جهة الآيات ؛ على ما تقدم .
وكذلك أقسم بالحاملات وقرا ، وهي السحاب الذي فيه منافع الخلق من حمل