فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ
[ طه : 130 ] ، وانتظر
يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ
، ولا تكافئهم ، ولا تنتقم منهم ، ولكن اصبر وانتظر ذلك اليوم .
ثم قوله :
يُنادِ الْمُنادِ
يخرج على وجهين :
أحدهما : كقوله تعالى :
يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ
[ القمر : 6 ] ،
يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ
، أي : يوم يدعوهم الداعي إلى شيء أنكروه .
والثاني : ما ذكر من نداء بعض لبعض ؛ كقوله :
وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ
الآية [ الأعراف : 44 ] ، وقوله :
وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ
[ الأعراف : 50 ] ، يقول - عزّ وجل - : انتظر يوم ينادون ويدعون إلى ما أنكروا ، ويوم يناد بعضهم بعضا .
وقوله - عزّ وجل - :
مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ
أي : من مكان يسمعون ما ينادون ويدعون ، ويعرفون ما يراد بالدعاء ، ومن يراد به ، ينتهي ذلك الدعاء والنداء إلى كلّ في نفسه حتى يعرفه .
وذكر أهل التأويل « 1 » : أن المنادي هو جبريل - عليه السلام - ينادي عند بيت المقدس بنداء يسمعه كل أحد ، وبيت المقدس أرفع مكان في الأرض ، وهو يقرب من السماء بكذا كذا ذراعا ، فهو المكان القريب .
ولكن هذا لا معنى له ؛ فإنه يسمع صوته جميع الخلائق وإن لم يقم في ذلك المكان ، وليس المراد من القرب ما ذكروه ، ولكن على الإسماع في أي موضع كانوا ، ومن يسمع شيئا فذلك منه قريب ، واللّه أعلم .
وقوله - عزّ وجل - :
يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ
الصيحة : النفخة ، أو النداء الذي ذكر .
ثم قوله تعالى :
بِالْحَقِّ
، يحتمل وجهين :
أحدهما : أي : يستمعون الصيحة بما أوعدهم الرسل من المواعيد ؛ فيتحقق لهم ذلك في ذلك اليوم .
و [ الثاني ] : يحتمل :
بِالْحَقِّ
، أي : تحقق ذلك اليوم ؛ لأن الرسل - عليهم السلام - قد أخبروهم بذلك اليوم ، وهم أنكروه .
أو بالحق الذي لبعضهم على بعض ، أي : يستوفي بعض من بعض ما لهم من الحق في ذلك اليوم ، وأمروا بأداء الحقوق في ذلك اليوم ، واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) قاله كعب الأحبار ، أخرجه ابن جرير عنه ( 31998 ) ، ( 31999 ) وفيه : أن الملك هو « إسرافيل » بدل « جبريل » ، وهو قول قتادة وبريدة ويزيد بن جابر .