تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 344

مساهمون:

ص٣٤٤
ثم إنكار الكفرة وعجبهم أن كيف بعث من البشر رسول ؟ أو كيف لا اختار بعث الرسل ممن عنده - وهم الملائكة - وأبدا إنما يبعث الرسل ممن كان عند المرسل ، لا ممن كان هذا مبعوثا إليهم في الشاهد إلا لمعنى « 1 » ، ولا ينبغي لهم أن ينكروا بعث الرسول ممن هو عند المبعوث إليهم ، وإن تعجبوا منه « 2 » ؛ لأن بعث الرسول من جنس المرسل إليهم والمبعوث إليهم في معرفة صدقه وحقيقة دعواه أقرب من أن يكون من خلاف جنسهم ؛ لأنهم إنما يعرفون رسالته بآيات ودلالات يقيمها على رسالته بحيث يخرج عن وسعهم إقامتها ، ولا يعرفون صدق تلك الآيات وحقيقتها إذا كانت تلك من غير جنسهم بما لعل أن ما آتاهم به وزعم أنها آيات ليست بآيات ؛ لما في وسعه إتيان مثلها ، وليس في وسعهم ذلك ؛ لما أن القوى تختلف عند اختلاف الجنس ؛ فدل أن بعث الرسول من جنس المرسل إليهم أحق وأقرب إلى معرفة صدق الآيات والمعجزات ، واللّه الموفق . ولأن كل ذي نوع من نوعه ، وكل ذي شكل من شكله أميل ، وبه آنس من خلاف جنسه ونوعه ، فكان الغرض وهو التأليف والاجتماع في هذا أقرب إلى الحصول ، واللّه أعلم . ثم قولهم : هلا بعث إلينا الرسل ممن هو عنده فاسد ؛ لأن الخلائق جميعا من حيث العند لله - تعالى - واحد ، لا يوصف أحد من الخلائق أنه عنده إلا من حيث القرب به بالطاعة له ، والائتمار بأمره ، وترك الخلاف له ، فأما على ما يوصف المخلوق عند مخلوق فلا ؛ إذ ذاك وصف المتمكن في المكان ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا . فإذا كان المراد من عنده من حيث القرب به بالطاعة والقيام بأمره مما يثبت أهلية الرسالة وصلاحها فذلك مما لا يوجب الفضل بين البشر والملائكة ؛ بل من جهة البشر أحق ؛ لما هم يفعلون عن غيب الدلائل أجمع دون العيان - واللّه أعلم - بحجتهم أنه لو أراد إحياءنا كيف أماتنا ؟ ولا أحد في الشاهد يبني بناء فيهدمه ويبني مثله فليس بشيء ؛ لأنه لو لم يكن إماتة ثم إحياء لكان الجزاء بالأعمال يكون حضرة الأفعال ، وذلك يوجب أن يكون إيمانهم إيمان اضطرار ، لا إيمان اختيار وإيثار ؛ لأن من عاين أنه يدخل النار يعذب فيها أبد الآبدين لا يعمل ذلك العمل الذي أوعد به ؛ بل يتركه ، وكذا أن من عاين أن من آمن بالله - تعالى - وعمل طاعة وعبادة يدخل الجنة ويكرم أبد الآبدين لا يعمل غير ذلك العمل ، فترتفع المحنة ، ويكون الإيمان بحق الاضطرار ، فأخر ذلك ؛ ليكون الإيمان بحق الاختيار حتى يكون له قيمة . ثم قوله :
وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ
وصف القرآن مرة بأنه كريم ، ومرة بأنه حكيم ، ومرة بأنه مجيد ، يحتمل أنما سماه بهذه الأسماء على معنى أن من تمسك به يصير مجيدا ، كريما ،
هامش
( 1 ) في أ : لا معنى . ( 2 ) في أ : عن .