تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 341

مساهمون:

ص٣٤١
أو متى أظهروا الإيمان يصير المسلمون أعوانا لهم ، ونحو ذلك . هذا الذي ذكرنا ونحوه بعثهم وحملهم على الامتنان عليه ، ولو كانوا يؤمنون بالآخرة ، لعرفوا أن إيمانهم لأنفسهم ؛ إذ به نجاتهم ، وإليهم يقع نفعه ، ليس في الإيمان لله - تعالى - نفع ، ولا في تركه ضرر ، تعالى عن الضرر والنفع ، فيكون الامتنان لله - تعالى - عليهم كما قال :
بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ .
ثم [ في ] قوله - عزّ وجل - :
بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ
نقض قول المعتزلة : إنه يجب على اللّه - تعالى - أن يهديهم ؛ لقولهم بالأصلح ، فإنه قال :
بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ
ولو كانت هدايتهم واجبة عليه لا يكون له عليهم منة ؛ لأنه مؤد [ ما ] عليه لهم من الحق ، ومن أدى حقّا عليه لآخر لا يكون له الامتنان على صاحب الحق ، وكذلك في قوله - تعالى - :
فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً
[ الحجرات : 8 ] لو كانت الهداية [ واجبة ] عليه لا يكون في فعله متفضلا ولا منعما ، بل يكون لهم عليه الامتنان ، ومنهم الإفضال والإنعام ؛ لما عظموه وبجلوه بشيء كان عليه فعل ذلك حقّا واجبا لهم ؛ فدل على فساد مذهبهم . وفيه دلالة أن الهداية ليست هي البيان فحسب ؛ لوجهين : أحدهما : لأن هداية البيان مما قد كان في حق الكافر والمسلم جميعا ، فلا معنى لتخصيص المسلمين بهذه المنة ومثلها موجود في حق غيرهم . والثاني : أن البيان قد عم الكافر والمؤمن ، وقد أخبر اللّه - تعالى - بأن له المنة عليهم إن كانوا صادقين في إيمانهم ، فلو كانت الهداية هي البيان لا غير ، لكان لا يشترط فيه شرط صدقهم ؛ لأن منة البيان تعم الصادقين وغير الصادقين دل أن المراد من الهداية : الإسلام ، حتى تتحقق له المنة على الخصوص في حق المسلمين ، واللّه الموفق . ثم الهداية المذكورة - هاهنا - تحتمل وجهين : أحدهما : خلق فعل الاهتداء منهم . والثاني : التوفيق والعصمة ؛ كأنه يقول : بل اللّه يمن عليكم أن خلق منكم الاهتداء أو وفقكم للإيمان ، وعصمكم عن ضده ، وكذلك يخرج قوله - تعالى - :
وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ
[ الحجرات : 7 ] على هذين الوجهين : وفقكم له وعصمكم عن ضده ، أو خلق حبه في قلوبكم وزينه ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
هذا يخرج على الوعيد ؛ أي : هو بصير بما أسروا وأعلنوا ، ليكونوا أبدا على يقظة وحذر ، ولا قوة إلا بالله ، وصلى اللّه على سيدنا محمد وآله .