تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
وقوله - عزّ وجل - :
مَرِيجٍ
قال القتبي وأبو عوسجة :
فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ
أي : مختلط ؛ يقال : مرج أمر الناس ، ومرج الدين ، وأصل المرج أن يقلق الشيء فلا يستقر ، يقال : مرج الخاتم في يدي مرجا : إذا قلق للهزال ؛ أي : تحرك . وقيل « 1 » : مضطرب مختلف ؛ وهكذا كان قولهم مختلفا مضطربا مختلطا في القرآن والرسول جميعا ؛ قالوا في الرسول صلى اللّه عليه وسلم أقوالا مضطربة مختلفة : مرة نسبوه إلى السحر ، ومرة إلى الشعر ، ومرة إلى الجنون ، ومرة إلى الافتراء على اللّه - تعالى - وأنه يتلقاه من فلان ، ونحو ذلك من أقوال مختلفة مضطربة فيما يدفع كل واحد من ذلك الآخر ، وكذلك قالوا في القرآن مرة : إنه سحر ، ومرة إنه شعر ؛ وإنه من أساطير الأولين ، وإنه مفترى ، وإنه اختلاق ، وكل ذلك مما يدفع بعضه بعضا ، وهذا هو الاضطراب والاختلاف والاختلاط ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ
أي : في ضلال . وقوله - عزّ وجل - :
أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ . . .
الآية . يحتمل أن تكون هذه الآيات صلة ما ذكر من عجبهم من بعث الرسل من البشر ، والبعث بعد الموت بقوله :
بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ
كأنه يقول : أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها مرتفعة ، ملتصقة بعضها ببعض ، منضدة بلا فروج ولا عماد مع صلابتها وكثافتها وغلظها ، وألم ينظروا إلى الأرض كيف بسطناها وألقينا فيها الجبال الرواسي أوتادا ؛ لئلا تميد بأهلها ، حتى عرفوا أن من قدر على رفع السماء بلا عمد مع ارتفاعها وغلظها وصلابتها حتى لا ينتهي أحد إلى طرف من أطرافها ، ولا علم نهايتها ، وجعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض مع بعد ما بينهما - لقادر على الإحياء بعد الموت ، وأنه لا يعجزه شيء ، وأن من فعل هذا لا يفعله عبثا باطلا ، ولكن يفعله عن حكمة وتدبير ، ولو كان على ما قالوا أن لا بعث ولا جزاء كان خلق ذلك عبثا باطلا ، ويكون فعل ذلك فعل سفه ، لا فعل حكمة ، فلما كان فعل ذلك كله على التدبير الذي ذكر ، وعلى الاتساق الذي جرى حكمه إن شاء ذلك من غير تفاوت - دل أنه لم ينشئ الخلق من المكلفين ليتركهم سدى ، لا يأمر ، ولا ينهى ، ولا يمتحن ، فيكون عبثا ؛ بل ليمتحنهم بالأمر والنهي ؛ ليكون فعله في العقلاء على نهج الحكمة كما في غيرهم من
هامش
( 1 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير ( 31807 ) وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 116 ) .