تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
ثم هاتان الآيتان تنقضان على الكرامية مذهبهم في أن الإيمان لا يكون بالقلب ، ولكن باللسان والقول ، فإن أهل النفاق قد قالوا ذلك بلسانهم ، ثم أخبر أنهم لم يؤمنوا ، وهم يقولون : بل قد آمنوا . فيقال لهم :
أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ
[ البقرة : 140 ] ،
قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ
[ يونس : 59 ] . وفي هذه الآية آية عظيمة على رسالته ؛ حيث قال له :
قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا
وقد قال لهم - عليه الصلاة والسلام - ذلك ، ولم يتهيأ لهم إنكار ذلك القول ، فعرفوا أنه بالله عرف ذلك ، ولم يظهروا ما في ضميرهم خوفا من السيف ليعرف النبي - صلى اللّه عليه وسلم - واللّه الموفق . وقوله - عزّ وجل - :
وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً
جائز أن تكون الآية صلة ما ذكر في سورة الفتح للمنافقين بعد تخلفهم عن أمر الحديبية مع المؤمنين ؛ حيث قال :
سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ
[ الفتح : 16 ] وما ذكر من أمرهم في غير آي من القرآن ، يقول :
وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً
يقول : إن تطيعوا اللّه ورسوله فيما يدعوكم الرسول إلى الخروج إلى الجهاد والقتال بعد تخلفكم عن الحديبية لا ينقصكم من أعمالكم التي كانت لكم شيئا ، واللّه أعلم . ويحتمل وإن تطيعوا اللّه ورسوله بعد وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يلتكم من أعمالكم شيئا ، أي : لم ينقصكم من أعمالكم التي عملتموها من قبل ، ولم تضلوا أعمالكم التي عملتم من بعد ، وإن عصيتموه وتخلفتم عنه في حياته ؛ لأنه قال :
فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا
[ التوبة : 83 ] قد كان نهاهم عن الخروج معه للغزو أبدا ، فيقول : إن تطيعوا بعد وفاته وتجاهدوا في سبيل اللّه لم يلتكم من أعمالكم شيئا ؛ بل يقبل ذلك منكم ، واللّه أعلم . ويحتمل أن يكون في المنافقين ، فيكون فيها وعد المغفرة للمنافقين إذا تابوا وأطاعوا اللّه ورسوله ، كما وعد المغفرة لجميع الكفرة إذا تابوا عن الكفر بقوله :
إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ
[ الأنفال : 38 ] فعلى ذلك هذا ، وهو كقوله تعالى :
لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ
[ الأحزاب : 24 ] ، واللّه أعلم . قال بعضهم : هذا في جميع المؤمنين : إن من أطاع اللّه ورسوله لا ينقصكم من أعمالكم شيئا ؛ أي : لا يضيع أعمالكم ؛ بل يثيبكم ؛ كقوله - تعالى - :
يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ
[ فاطر : 29 ] أي : من عمل لله لا يضيع ، ومن عمل لغيره قد يضيع ، فلا يظفر