وقال بعضهم : كان النبي صلى اللّه عليه وسلم سبى ذراري بني تميم ونساءهم ، فأتوا يطلبون منه تخلية سبيل أولئك وإعتاقهم وردهم إليهم ، فنادوه من وراء حجرات ، فأعتق بعضهم ، وفدى بعضا ؛ فنزلت الآية .
وقوله :
أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ . وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ
؛ لأن ذلك أعظم لقدره ، وأجل لمنزلته ، وأعرف لحقه ، وأحفظ لحرمته .
ثم قوله :
أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ
يحتمل وجوها :
أكثرهم لا يعرفون قدره ومنزلته ، وإن كان قليل منهم يعرفون ذلك ، وهم المؤمنون .
والثاني : أكثرهم لا ينتفعون بما يعقلون .
والثالث : أكثرهم لا يعقلون أنه رسوله ، وهم الأتباع والسفلة من الكفرة ، وإنما يعرف القليل منهم ، وهم الرؤساء المعاندون .
وفي هذه الآية وفي قوله - تعالى - :
أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ
دلالة أن قد يلحق المرء حكم الكفر ويحبط العمل إذا خرج مخرج الاستخفاف وإن لم يعلم به ولم يقصد ، واللّه أعلم .
قوله تعالى :
[ سورة الحجرات ( 49 ) : الآيات 6 إلى 10 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ ( 6 ) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ( 7 ) فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 8 ) وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( 9 ) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 10 )
وقوله - عزّ وجل - :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا
جميع أهل التأويل أو عامتهم على أن الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، بعثه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى بني المصطلق ، وإلى قوم سواهم ؛ لجباية الصدقات ، وكان بينه وبين أولئك القوم عداوة في الجاهلية ، فخرجوا يتلقونه ، فخافهم ، فرجع ، فقال : إن القوم قد منعوا الصدقات ، فبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إليهم بعد ذلك خالد بن الوليد لجباية الصدقات ، فوجدهم يصلون ويعملون الطاعات ، واجتمعوا وجمعوا له الصدقات وجبوها وسلموها إليه ، فرجع إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بها ، فنزل قوله - تعالى - :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ