تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
فَتَبَيَّنُوا
« 1 » لكن إن كان ما ذكروا فلم يكن في ذلك النبأ التثبت ؛ لأن الآية نزلت بعد نبأ الرجل . وفي الآية الأمر بالتثبت في نبأ الفاسق فيما يحدث من الأمور من بعد ؛ فدل أن الآية نزلت لبيان الحكم في نبأ الفاسق ابتداء ، واللّه أعلم . ولأنه يحتمل أن يكون ذلك الرجل منافقا ولم يأمر اللّه - تعالى - بالتثبت في خبر المنافق ، ولم يشرع ذلك ؛ لأن النفاق يكون في الضمير فلا يظهر ذلك ؛ فأما الفسق فإنه يظهر فأمر لنا بالتثبت فيه ؛ فدل أن الآية لم تنزل في ذلك الرجل ؛ إذ لا يحتمل عن المنافق أن يزور على المسلمين مثل ما ذكر منه دل أن ما قاله أهل التأويل فيه وهم . ثم في الآية دلالة قبول خبر الواحد إذا كان عدلا ؛ لأنه لو لم يقبل خبره إذا كان عدلا لم يكن لذكر الفسق فائدة سوى الشتم ، والشتم سفه ؛ فلا يجوز أن يوصف اللّه - تعالى - [ به ] فدل ذكر الفسق على أن هذا الحكم وهو رد الشهادة مختص باسم الفسق ، وأن العدل لا يشاركه فيه حتى [ لا يكون ] ذكر الفسق سفها لما تعلق به بيان حكم شرعي يختص بالفاسق ، ولا يعرف ذلك دون ذكره ، فأما متى كان الحكم عامّا في الفاسق والعدل عند الانفراد ، فكان ذكر الفاسق مع شتمه لا يليق بالحكمة ؛ فدل ما ذكرنا ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ
أي : تصيبوا قوما بجهالة في الظاهر بسبب تهمة الفسق ، فأمّا في الحقيقة فإنه يجوز أن تصيب ذلك بخبر الواحد ، لكن الأحكام وقبول الأخبار فيما بين الخلق لم توضع على الحقائق ، وإنما وضعت على الظواهر ، وكذلك قبول الشهادات ، والحكم بها ، وجميع الشرائع التي جعلت في الناس إنما هو على الظواهر من الأحوال والأمور ، فأما على إصابة حقيقة ذلك فلا ؛ إذ قد يجوز أن يحكم الحاكم ويقضي بقتل إنسان ويقطع يده بشهود عنده ؛ لما ظهرت عنده عدالتهم ، ولم يكن - في الحقيقة - كذلك ، وعلى ذلك قول يعقوب - عليه السلام - لبنيه :
قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ
[ يوسف : 64 ] لم يأمن عليهم بما
هامش
( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 31686 ) وابن مردويه والبيهقي في سننه ، وابن عساكر عن ابن عباس ، وأخرجه ابن جرير ( 31685 ) وابن راهويه والطبراني وابن مردويه عن أم سلمة . وأخرجه أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مندة وابن مردويه بسند جيد عن الحارث بن أبي ضرار . وأخرجه الطبراني في الأوسط وابن مردويه من طريقين عن جابر بن عبد اللّه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 91 ، 92 ) . وله طرق أخرى فانظرها .