تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
الحقيقة كيلا تصيبوا قوما بجهالة ، واللّه أعلم . ويحتمل أن يكون قوله :
وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ
فإليه الرأي والتدبير في الأمور ، ومن رأيه وتدبيره يجب أن يصدر ، لا عن رأي أنفسكم وتدبيركم ، وعلى ذلك يخرج قوله :
وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ
[ آل عمران : 101 ] على الوجوه التي ذكرنا ، واللّه أعلم . ثم قوله - عزّ وجل - :
لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ
أي : لو يطيعكم فيما تدعو إليه أنفسكم من التمويهات والشبهات وهواها . أو يقول : لو يطيعكم في الصدور عن آرائكم وتدبيركم في الأمور لعنتم ، ثم قال :
وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ
هذا في الظاهر كناية غير موصولة بقوله :
لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ
؛ لأنه لا يليق ذلك إلا على الإضمار ، كأنه يقول : لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ، وإن اللّه قد أرسله إليكم رسولا ، وحبب إليكم الإيمان به وزينه في قلوبكم حتى صار هو في قلوبكم أحب من أنفسكم ومن كل شيء ، فالواجب عليكم أن تصرفوا الأمر إلى رأيه وتدبيره ، وأن تصدروا عن رأيه ، ولا تعتمدوا على رأي أنفسكم وتدبيركم ، واللّه أعلم . ويحتمل : أي : لا تدعوه إلى أن يطيعكم فيما تهوى به أنفسكم ، واشتهت بعد ما حبب الإيمان إليكم وزينه في قلوبكم ، وكره إليكم الكفر وما ذكر ، واللّه أعلم بحقيقة جهة وصل هذا بالأول . ثم يحتمل وجهين أيضا : أحدهما : لو يطيعكم الرسول في كثير من الأمر لعنتم ، و [ لكن ] اللّه - تعالى - ألزمكم طاعته في كل أمر ، فأطيعوه ولا تطلبوا منه طاعته إياكم في الأمور ، ولكن أطيعوه أنتم في الأمور كلها ، وقد حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ، وكره إليكم الكفر والفسوق - وهو الخروج عن أمره - والعصيان . والثاني : يشبه أن يكون موصولا بقوله - تعالى - :
إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى
[ الحجرات : 3 ] ، و
حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ
، ثم قال اللّه - عزّ وجل - :
أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ
كأنه يقول : أولئك الذين امتحن اللّه قلوبهم للتقوى ، وحبب إليهم [ الإيمان ] وزينه في قلوبهم ، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان
أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ
، أخبر وشهد لهم بالرشاد ، وأخبر أن ذلك فضل منه إليهم ونعمة ، لا شيء كان منهم استوجبوا