تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
الَّذِينَ آمَنُوا . . .
الآية . وقيل : المراد من الآية أن يتأذى بشؤم تلك المعصية إلى أن يهون عليه ارتكاب الكبيرة ، يستحقرها حتى يخف عليه الكفر فيكفر ؛ فتصير المعصية الأولى - وإن قلت - سببا لحبوط ثواب أعماله ، فإن أساس كل خطير حقير . ونحن نقول : إن المعصية لا تحبط الطاعة ، ولكن هو استخفاف بالنبي صلى اللّه عليه وسلم ، و [ نحو ] ذلك . وقوله - عزّ وجل - :
إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى
دلت هذه الآية أن الآيتين اللتين تقدم ذكرهما من قوله - تعالى - :
لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
، وقوله - عزّ وجل - :
لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ
، وقوله :
وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ
في أهل النفاق ، فأما أصحابه الذين صحبوه وآمنوا به ، [ و ] عرفوا أنه [ رسول ] رب العالمين ، فلا يحتمل أن يكون منهم ما ذكر من رفع الصوت عنده ، وجهر القول له ، والنداء له باسمه من بعد ، إنما ذلك به فعل من ذكرنا من أهل النفاق والشرك ، فأما الذين آمنوا به وصدقوه وعرفوا أنه رسول فلا يحتمل منهم سوى التعظيم له ، والتوقير ، والتشريف ؛ لما عرفوا أن نجاتهم وشرفهم وعزهم في الدنيا والآخرة بتعظيمه وتوقيره ، فكيف يحتمل عنهم ذلك ؛ بل كانوا لا يتجاسرون التكلم بين يديه فضلا من أن يرفعوا أصواتهم ، ويقدموا بين يديه ، أو النداء من بعد ، واللّه الموفق . وقوله - عزّ وجل - :
أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى
هذا وصف المؤمنين ، امتحن قلوبهم للتقوى فوجدها صافية خالصة لذلك ، والامتحان - هاهنا - هو التصفية والإخلاص ؛ يقال : امتحن الذهب : إذا أخلص وصفى الصافي منه والخالص من غيره . وقوله - عزّ وجل - :
لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ
ظاهر . وقوله - عزّ وجل - :
إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ
هذا وصف من ذكرنا من أهل الشرك والنفاق . وقال بعضهم « 1 » : إن نفرا من الأعراب جاءوا ، وقالوا : ننطلق إلى هذا الرجل - يعنون : محمدا صلى اللّه عليه وسلم - فإن يكن رسولا فنحن أسعد الناس به ، وإن يكن ملكا نعيش في جناحه ، فأتوا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فجعلوا ينادونه من وراء الحجرات : يا محمد ؛ فنزلت هذه الآية .
هامش
( 1 ) قاله زيد بن أرقم ، أخرجه ابن جرير ( 31678 ) وابن راهويه ومسدد وأبو يعلى والطبراني وابن أبي حاتم بسند حسن عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 89 ) .