تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
وقوله - عزّ وجل - :
سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ .
قوله - تعالى - :
الْمُخَلَّفُونَ
سماهم : مخلفين ، ولم يخلفهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولا أصحابه ، ولكن اللّه تعالى خلفهم عن ذلك بأن أحدث منهم فعل التخلف ؛ لما علم منهم ما كان من اختيارهم التخلف ، كقوله تعالى :
وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ
[ التوبة : 46 ] أي : منعهم ، فعلى ذلك ما ذكر من المخلفين أن اللّه - سبحانه وتعالى - خلفهم عن ذلك ، وهم اكتسبوا فعل التخلف في أنفسهم ؛ دل أن خالق أفعال العباد هو اللّه تعالى ، واللّه الموفق . وقوله - عزّ وجل - خبرا عنهم :
شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا .
هذا القول منهم قول اعتذار وطلب العذر من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وقولهم :
فَاسْتَغْفِرْ لَنا
طلبوا منه الاستغفار مع إظهارهم العذر في التخلف بقولهم :
شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا
يقولون : وإن حبستنا أموالنا وأهلونا لم يكن لنا التخلف عنك ، فاستغفر لنا ، ولكن مع هذا لم يقبل عذرهم ؛ لأنهم كانوا لا يحققون في طلبهم الاستغفار منه ؛ لأنهم أهل نفاق لا يؤمنون برسالته ولا بالبعث كي ينفعهم المغفرة في الآخرة ؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ . . .
الآية [ المنافقون : 5 ] ؛ دل هذا الفعل منهم على أنهم كانوا غير محققين طلب الاستغفار منه بقولهم :
فَاسْتَغْفِرْ لَنا
؛ حيث قال :
يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ
، أي : يقولون بألسنتهم قولهم :
فَاسْتَغْفِرْ لَنا
ما ليس في قلوبهم حقيقة ذلك . ولا جائز أن يصرف قولهم :
يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ
إلى قولهم :
شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا
أي : كاذبين في العذر ، ولكن طلبوا الاستغفار حقيقة ، لا يقال هذا ؛ لأنهم كانوا صادقين في أن أموالهم وأهليهم شغلتهم عن ذلك ؛ فلا يمكن صرف الآية إلى ذلك ، واللّه الموفق . وقوله - عزّ وجل - :
قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً .
قد ذكرنا أن حرف الاستفهام من اللّه تعالى يكون على الإيجاب ، فينظر أن لو كان ذلك السؤال من مستفهم كيف يجاب له ؟ فيكون من اللّه تعالى على الإيجاب : أن لا أحد يملك لكم نفعا إن كان اللّه أراد بكم ضرا ، ولا أحد يملك لكم ضرا إن كان اللّه أراد بكم نفعا ، يخبر أنكم وإن تخلفتم لحفظ أموالكم وأهليكم ، فإن اللّه تعالى لو أراد بكم ضرّا لا