تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
والتعظيم له في قلبه وجميع جوارحه ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا
والتسبيح ، أجمع أهل التأويل أن قوله - تعالى - :
وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً
راجع إلى اللّه - تعالى - وكذلك ذكر في بعض القراءة ويسبحون الله بكرة وأصيلا ، والتسبيح هو التنزيه في الأفعال والأقوال ، فجائز نسبة ذلك إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأنه كان برئيا من العيوب في أفعاله وأقواله لا يدخل في أفعاله وأقواله عيب ، وإن كان هو تنزيها عن الحدثية ، والفناء ، وآفات كل في نفسه ، فذلك لا يجوز إضافته ونسبته [ إلا ] إلى اللّه - عزّ وجل - فأما غيره لا يجوز إضافة ذلك إليه . وأصله ما ذكر أهل التأويل من صرفه إلى اللّه تعالى . وقوله - عزّ وجل - :
بُكْرَةً وَأَصِيلًا
صرف أهل التأويل البكرة إلى صلاة الفجر ، والأصيل إلى صلاة المغرب والعشاء ، ولكن جائز أن تكون البكرة كناية عن النهار ، والأصيل كناية وعبارة عن الليل ، فكأنه يقول : سبحوه بالليل والنهار جملة في كل وقت ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ
أجمع أهل التأويل أو عامتهم على أن المبايعة المذكورة في هذه الآية هي البيعة التي كانت بالحديبية ، بايعوه على ألا يفروا إذا لقوا عدوا . قال معقل بن يسار : « لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلى اللّه عليه وسلم يبايع الناس ، وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه ، ونحن أربع عشرة مائة ؛ أي : ألف وأربعمائة نفر ، وقال : لم نبايعه على الموت ، ولكن بايعناه على ألا نفر » . وجائز أن تكون المبايعة على ألا يفروا كما ذكر في آية أخرى :
وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ
[ الأحزاب : 15 ] والمبايعة هي المعاهدة ؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى :
وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ
ذكر في أول الآية المبايعة ، وفي آخرها المعاهدة ؛ ليعلم أن المبايعة والمعاهدة سواء ، واللّه أعلم . ثم إضافة مبايعتهم رسوله إلى نفسه يحتمل وجهين : أحدهما : لما بأمره يبايعونه . أو ذكر ونسب إلى نفسه ؛ لعظيم قدره ، وجليل منزلته عنده ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
قال بعضهم : يد اللّه في جزاء المبايعة فوق أيديهم في المبايعة ؛ أو كلام نحوه . وجائز أن يكون قوله
يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
أي : يد اللّه في الجزاء إذا وفوا بالعهد فوق
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 298 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم