تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
أنتم يأهل مكة ، ثم لم يقدروا على دفع عذاب اللّه إذا نزل بهم ، فأنتم كيف تملكون دفعه ، وليس لكم تلك الأسباب ؟ ! وعلى التأويل الثاني ، كأن المراد هو حقيقة ما ذكر من السمع ، والبصر ، والفؤاد ؛ فيكون معناه ما ذكرنا : أن لكم هذه الأسباب مثل ما لهم ، ثم هم لم يقدروا على دفع ما حل بهم من العذاب ، فأنتم لم تقدروا أيضا بها ، واللّه أعلم . ثم بين اللّه - سبحانه وتعالى - الذي بهم نزل ما نزل من العذاب ؛ حيث قال :
إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
وكان استهزاؤهم مرة بما يوعد لهم الرسل - عليهم السلام - بالعذاب ، ومرة كانوا يستهزءون بالرسل - عليهم السلام - لما يدعوهم إلى ما دعوا ، واللّه أعلم . ثم عذب عادا بالريح التي وصفها اللّه - تعالى - في سورة الحاقة ، وذكر فيها ؛ حيث قال :
وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ
آية [ 6 ] أي : شديدة عادية
سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً . . .
الآية [ 7 ] ، وقال في آية أخرى :
وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ
[ الذاريات : 41 ] ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى
خلق اللّه - تعالى - البشر على طبع وبنية وحال يحذرون ما ينزل بأشكالهم وأمثالهم بذنوب ارتكبوها ، ويتعظون بغيرهم ؛ فكأنه يقول : احذروا صنع الذين أهلكوا من حولكم وبقربكم ؛ لئلا ينزل بكم ما نزل بأولئك الذين أهلكوا حولكم ؛ ليرتدعوا عن ذلك ، وألا يعاملوا رسوله كما عامل أولئك حتى لا ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك بتكذيبهم الرسل وعنادهم واستهزائهم بهم ؛ يحذرهم ما نزل بأولئك الذين أهلكوا حولهم ؛ ليرتدعوا عن ذلك ، وألا يعاملوا رسوله كما عامل أولئك حتى لا ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك ؛ واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
، قوله :
وَصَرَّفْنَا الْآياتِ
يخرج على وجهين : أحدهما : أي : جعلنا للرسل - عليهم السلام - آيات أقاموها على قومهم ما يعلمهم ذلك ، ويخبرهم على صدقهم ، فردّوها وكذبوهم بها ، فعند ذلك أهلكناهم ، فعلى ذلك جعلنا لمحمد صلى اللّه عليه وسلم من الآيات ما تعلمكم يأهل مكة وتخبركم عن صدقه ، وتدلكم على رسالته ، فلا تردوها حتى لا ينزل بكم ما نزل بهم ، واللّه أعلم . والثاني :
وَصَرَّفْنَا الْآياتِ
أي : نشرنا في الآفاق والأطراف النائية ما حل بأولئك ونزل بهم بتكذيب الرسل ، وما كان منهم من العناد والرد ما يلزم من بلغه ذلك الخبر ، واتصل به
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 255 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم