تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
وقوله - عزّ وجل - :
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ
أي : فرغ من قراءته
وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ .
قال بعضهم : إن النفر من الجن والإنس ، والنذر من الإنس ، فإن كان ما ذكر فجائز على هذا أن يكون النفر الذي ذكر أنه صرفهم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ليستمعوا القرآن منه هم النذر ، يدل على ذلك قوله :
وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ .
وفي ظاهر قوله - تعالى - :
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا
[ الأنعام : 130 ] أن قد يكون من الجن الرسل كما يكون من البشر ، إلا أن يقال بأنه قد يذكر الاثنان والمراد به أحدهما ، وذلك جائز في اللغة ؛ كقوله - تعالى - :
يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ
[ الرحمن : 22 ] وإنما يخرج من أحدهما وهو الملح ، فعلى ذلك هذا ، واللّه أعلم . ثم يحتمل
صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ
أي : ألهمناهم وقذفنا في قلوبهم حتى صاروا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وتوجهوا إليه ؛ ليستمعوا القرآن منه . ويحتمل أنه أمرهم في الكتب التي أعطوا معرفتها بالتوجه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ليستمعوا منه القرآن ؛ لأنه قال - عزّ وجل - على إثره خبرا عنهم :
قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ
هذا يدل على أنهم قد عرفوا الكتب قبل هذا الكتاب ؛ حيث قالوا :
سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ
فجائز أن يكونوا أمروا بتلك الكتب استماع هذا الكتاب والعمل به . ويحتمل أن يكونوا عرفوا بذلك لما كانوا يسترقون السمع إلى السماء فيستمعون أخبار السماء ، ثم ينزلون فيخبرون أهل الأرض بذلك ؛ ليكون العلم لهم بذلك من الوجوه الثلاثة التي ذكرنا ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ
. فيه دلالة لزوم العمل بخبر الواحد ؛ لأن النفر الذين حضروا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من الجن سمعوا القرآن منه وصدقوه كانوا قليلي العدد لما رجعوا إلى قومهم فإنما يرجع كل إلى قومه ، وقد يحتمل الاجتماع والتواصل على ذلك ، ودعا كل قومه إلى إجابة داعي اللّه - تعالى - وحذرهم مخالفته ، وأنه يحتمل ما ذكرنا من الأفراد والآحاد ، دل أن خبر الواحد حجة في حق العمل ، وهو ما قال - عزّ وجل - :
فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ
[ التوبة : 122 ] فكان العمل بخبر الآحاد والأفراد ظاهرا مشهورا في