جهة الآية في ذلك في غير موضع ، واللّه أعلم .
وقوله - عزّ وجل - :
قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ
أمر اللّه - عزّ وجل - للمؤمنين بالعفو والصفح عمن أساء إليهم وظلمهم حتى أمرهم بالعفو والمغفرة عمن ظلمهم وأساء إليهم من الكفرة ؛ ليعلم عظيم موقع العفو والصفح عن المظلمة والإساءة عند اللّه ، وما يكون لذلك من الثواب الجزيل ، واللّه أعلم .
فإن قيل : إن هذه الآيات إنما نزلت بمكة ، ومن أسلم من أهل مكة بمكة كانوا مستخفين مقهورين في أيدي الكفرة ، ثم لا يتهيأ لهم الانتصار منهم والانتقام عن مساويهم ، وإنما يؤمر المرء بالعفو عن مظلمة من ظلمه وأساء إليه عند مقدرة الانتقام والانتصار ، فأما من لا يكون على مقدرة من ذلك فلا معنى للأمر له بذلك ؛ إذ هو عاجز عن ذلك ، فيكون الأمر بالعفو والصفح عنهم - وإن كان أهل الإسلام منهم مقهورين مغلوبين في أيدي أولئك الكفرة على ما ذكرتم - لوجهين :
أحدهما : أنه أمرهم بذلك ليتقربوا بذلك ؛ إلى اللّه - تعالى - ويجعلوا ذلك وسيلة وقربة فيما بينهم وبين ربهم ، وإن لم يكن لهم مقدرة الانتقام والانتصار منهم ؛ ليكون العفو عنهم بحق القربة ، لا بحق التذلل والخشوع ؛ إذ يعفو كل عن اختيار وطوع ، ويصير على ذلك ابتغاء لوجه اللّه - تعالى - ويترك الجزع في نفسه والمخاصمة لو قدر على الانتقام ، وهو ما أمر رسوله - عليه السلام - بالهجرة إلى المدينة بعد ما أخبره أنهم يريدون أن يقتلوه أو يخرجوه ؛ حيث قال :
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ . . .
الآية [ الأنفال : 30 ] ؛ لتكون الهجرة له إلى اللّه - تعالى - بحق القربة ، لا بحق التذلل بإخراجهم إياه ، واللّه أعلم .
والثاني : أن يرجع الأمر بالعفو إلى كل واحد منهم في خاصة نفسه ، وقد كان من المسلمين فيهم من يقدر على الانتقام والانتصار من الأفراد والآحاد منهم ، وإن لم تكن [ له ] المقدرة على الانتقام من جملتهم ، واللّه أعلم .
ثم قوله - عزّ وجل - :
لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ
هذا يخرج على وجوه :
أحدها :
أَيَّامَ اللَّهِ
أي : نعم اللّه الدائمة التي لا زوال لها ولا انقطاع ، التي وعدها في الآخرة لأهل الإيمان ، وهو ما قال في آية أخرى في قصة موسى - عليه السلام - حيث قال :
وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ
[ إبراهيم : 5 ] أي : بنعم اللّه - تعالى - ألا ترى أن موسى - عليه السلام - فسر أيام اللّه بالنعمة ؛ حيث قال على إثره :
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ . . .
الآية [ إبراهيم : 6 ] .