تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
بِدُخانٍ
أي : بجدب وقحط ؛ جعل الدخان كناية عن الجدب ؛ لوجوه : أحدها : لما يقال : إن الجائع في القحط كان يرى بينه وبين السماء والناس دخانا من شدة الجوع ، كالذي يشتد به العطش يرى السراب ماء ؛ وذلك لأنه لما اشتد الجوع ضعفت أبصارهم وغطاها الجوع ؛ فيكون الجوع سبب ترائي الدخان ، فاستعير له ، ولأن في سنة الجدب تيبس الأرض ، وينقطع النبات ، فيرتفع الغبار ، ويصعد الريح ليبسها ، فيشبه ذلك الغبار الذي يرتفع من يبس الأرض بالدخان ولذلك قيل للسنة : غبراء ، وقيل : جوع أغبر ؛ لأن العرب ربما وضعت الدخان موضع الشر إذا علا ، فيقولون : لو كان بيننا : أمر ارتفع له دخان ، وقالوا : إن هذا القحط الذي جعل الدخان كناية عنه قد كان ، فإنه اشتد بهم القحط ، وقلت الأمطار ، ويبست الأرض ، وارتفع الغبار ، وصعدت الريح كالدخان ، وضعفت الأبصار لشدة الجوع ، حتى كانوا يرون السماء كالدخان ؛ على ما روي عن ابن مسعود - رضي اللّه عنه - أنه قال : كان أحدهم ينظر إلى السماء ، فيرى كهيئة الدخان من شدة الجوع « 1 » . وقال بعضهم : إنما مثل الأرض يومئذ كمثل بيت أوقد ليس فيه خصاصة . وعن ابن مسعود - رضي اللّه عنه - أنه قال : قد مضى الدخان ، وهو سنون كسني يوسف - عليه السلام - فجهد الناس « 2 » ، واللّه أعلم . ومنهم من يقول : هو على حقيقة الدخان ، وأنه لم يمض بعد ، وكذلك روي عن علي - رضي اللّه عنه - أنه قال : الدخان لم يمض بعد ، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام ، وينتفخ الكافر حتى ينفذ « 3 » ، وكذلك قال أبو سعيد الخدري « 4 » - رضي اللّه عنه - والحسن « 5 » وغيرهم ، لكن صرف الدخان المذكور في الآية على التمثيل أشبه ؛ لأن الأمر إذا اشتد وبلغ نهايته يشبه بالنار والدخان ، كقوله :
كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ
[ المائدة : 64 ] ، وليس هناك نار ، لكن وصف شدة الحرب فعلى ذلك جائز تشبيه ما اشتد بهم من الجوع والجدب والقحط بالدخان الذي ذكر ، وكذلك يصف الناس الأمر إذا اشتد ؛ يقولون : هاج الدخان وثار ، واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 31043 ) - ( 31048 ) من طرق عنه ، وذكر له السيوطي في الدر المنثور ( 5 / 743 ) طرقا أخرى فانظرها . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 31051 ) ، ( 31053 ) . ( 3 ) أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم ، كما في الدر المنثور ( 5 / 744 ) . ( 4 ) أخرجه عبد بن حميد وابن جرير ( 31060 ) ، كما في الدر المنثور ( 5 / 744 ) . ( 5 ) أخرجه ابن جرير ( 31058 ) ، ( 31059 ) .