تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
وقوله - عزّ وجل - :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ .
فقوله :
ذلِكَ
يقول : ذلك العذاب والإهلاك الذي نزل بهم لما كانت أتتهم رسلهم بالبينات ، فكفروا وكذبوا الآيات والأدلة التي أتتهم رسلهم أنهم رسل اللّه إليهم ، فأصابهم ما أصابهم ، كذلك فأنتم يا أهل مكة إذا كذبتم الرسول بعد ما أتتكم البينات والأدلة على رسالته ، ينزل بكم ما نزل بأولئك بالتكذيب والعناد ورد الآيات والأدلة ، واللّه أعلم . قوله تعالى :

[ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 23 إلى 27 ]

وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 23 ) إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ ( 24 ) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ ( 25 ) وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ ( 26 ) وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ ( 27 ) وقوله :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا .
يحتمل
بِآياتِنا
أي : بحججنا ، وذكرنا أنه يحتمل أن الآيات والسلطان واحد ، ويحتمل أنهما غيران . وقوله :
إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ
، ليعلم أنه كان مبعوثا إلى الكل لم يبعث إلى بعض دون بعض . وقوله :
فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ .
دل قولهم : ساحر كذاب على أن موسى - عليه السّلام - قد آتاهم من الآيات والحجج ما عجزوا عن إتيان مثلها والمقابلة لها ؛ فخافوا أن يتبعه الناس لذلك ، فموهوا بقولهم :
ساحِرٌ كَذَّابٌ
على سائر الناس ؛ لئلا يتبعوه فيما يدعو ؛ لما عرف الناس أن السحر ليس يعرفه كل أحد وأن أكثر الناس يعجزون عن السحر ، وكانوا يعرفون أن السحر يكون كذبا ، فموهوا بذلك القول أمر موسى - عليه السّلام - على أتباعهم ، ونسبوه إلى الكذب من غير أن ظهر من موسى كذب قط ، وقد كان لم يزل من فرعون تمويه وتلبيس على قومه أمر موسى ؛ مخافة أن يتبعوه ؛ لما أتاهم من الحجج والأدلة التي ظهرت عندهم أنها حجج وأدلة ، من ذلك قوله - عزّ وجل - :
يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ
[ الشعراء : 35 ] وقوله :
إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ
[ طه : 71 ] قال هذا بعد ما اتبعه السحرة وآمنوا به ؛ ليموه بذلك أمرهم على من لم يتبع موسى من الأتباع ، وقوله :
إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها
[ الأعراف : 123 ] وغير ذلك من التمويهات التي كانت منه ؛ فعلى ذلك هذا القول منهم حيث قالوا :
ساحِرٌ كَذَّابٌ
لأنهم اعتادوا .