تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 20

مساهمون:

ص٢٠
وجائز أن يكون قولهم : إنه كذاب ؛ لأنهم اعتادوا عبادة الأصنام دون اللّه تعالى ، فلما جاء موسى - عليه السلام - بما يمنعهم عن عبادة ما اعتادوا من العدد ، ودعاهم إلى عبادة الواحد - قالوا : إنه كذاب ، وكذلك قال أهل مكة لرسولنا وسيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلّم : إنه
ساحِرٌ كَذَّابٌ * أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً
[ ص : 4 ، 5 ] سموه : كذابا ؛ لما دعاهم إلى عبادة الواحد ، ومنعهم عن عبادة ما اعتادوا من العدد ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا .
قال بعضهم : أي جاءهم بالتوحيد . وقال بعضهم : أي : جاءهم بالرسالة . وكأن غير هذا أقرب ، أي : فلما جاءهم بما يظهر عندهم من الحجج أنها آيات ، وأنها من عندنا جاءت ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ .
أمر أتباعه أن يقتلوا أبناء من آمن منهم ؛ لينزجروا بذلك عن متابعة موسى ؛ لما رأى ما كان من التمويهات والحيل لم يمنعهم عن اتباعه ، بل كانوا يتبعونه ، فأوعدهم بقتل الأبناء كما كان يقتل الأبناء عندما قيل له : إن ذهاب ملكك بولد يولد كذا . . . ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ .
لا شك أن كيدهم في الآخرة في ضلال ، ولكن أراد كأن كيدهم في الدنيا ظهر أنه ضلال ؛ حيث لم يمنعهم كيده وحيله وتمويهاته عن اتباع موسى ، عليه السلام . وقوله :
وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى .
قال هذا ؛ لما رأى أنه لم يمنعهم عن اتباع موسى ما ذكر من قتل الأبناء ، قال عند ذلك :
ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى
[ وهو يحتمل ] وجوها : أحدها : يحتمل أنه هم فرعون أن يقتل موسى - عليه السلام - فمنعه قومه أو الملأ من قومه عن قتله ، فقال عند ذلك :
ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى .
والثاني : يحتمل أنه قال هذا مبتدأ من غير أن كان منهم منع إياه عن قتله ، وهو كما قال ربنا - جل وعلا - لرسوله صلى اللّه عليه وسلّم :
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً
[ المدثر : 11 ] من غير أن كان من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم منع له عن ذلك ، وهذا في كلام العرب موجود سائغ التكلم به على الابتداء من غير أن كان من أحد منع عما يريدون أن يفعلوا ، واللّه أعلم . والثالث : يحتمل
ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى
أي : ذروني لائمتي في قتل موسى ، أي : لا تلوموني إذا أنا قتلته ، واللّه أعلم .