تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧
[ الإسراء : 4 ] أي : أوحينا إليهم ، فكأنه يقول : واللّه يوحي بالحق ويخبر به ، والذين يدعون من دونه لا يملكون الوحي ولا الخبر ، فكيف اخترتم عبادتهم على عبادة من يوحي بالحق ويخبر ؟ ! واللّه أعلم . والثالث : القضاء هو الخلق والإنشاء ؛ كقوله تعالى :
فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ
[ فصلت : 12 ] أي : خلقهن ، فيكون قوله على هذا
وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ
، أي : يخلق بالحق ، والذين يدعون من دونه لا يخلقون شيئا ، وقد يعلمون استحقاق العبادة إنما يجوز بالخلق والإنشاء ؛ وهو كقوله تعالى :
أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ
[ النحل : 17 ] ،
خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ
[ الرعد : 16 ] يقول : خلق من يدعون دونه كخلقه حتى تشابه ذلك عليهم فعبدوهم ؛ إذ يعلمون أن من خلق ليس كمن لم يخلق ، وقد تعلمون أنها لم تخلق شيئا ، فكيف عبدتموها ؟ ! واللّه أعلم . ثم أقول : أصل التأويل
يَقْضِي بِالْحَقِّ
أي : يحكم بالحق في الدنيا بالآيات والحجج ما عرف كل أحد أنها حجج وآيات وبراهين ، والحكم بما ذكرنا حكم بالحق ، واللّه أعلم . والثاني : أي يحكم بالحق في الآخرة وهو الشفاعة ، أي : لا يجعل الشفاعة لمن يعبدون على رجاء الشفاعة ؛ كقولهم :
هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ
[ يونس : 18 ] ، ولكن إنما يجعل لمن ارتضى ؛ كقوله تعالى :
وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى
[ الأنبياء : 28 ] ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ .
روي عن ابن عباس - رضي اللّه عنه - أنه قال : السميع للمؤمن ، أي : المجيب للمؤمن ، والبصير لعقاب أولئك . وقيل « 1 » : السميع لأقوالهم ، البصير بأفعالهم . وجائز أن يكون قوله - تعالى - :
إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
صلة ما تقدم من قوله :
يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ
يقول : السميع بما يكون منهم ظاهرا من قول أو فعل ، والبصير بما أخفوا في قلوبهم وتكن صدورهم ، يخبر بهذا ؛ ليكونوا أبدا مراقبين حافظين أنفسهم ما ظهر وما خفي ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً .
هذا يخرج على وجهين :
هامش
( 1 ) انظر : تفسير ابن جرير ( 11 / 51 ) .