وقوله - عزّ وجل - :
رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ .
هذا يحتمل وجهين :
أحدهما : من آل فرعون في الظاهر ، وإلا لم يكن في الحقيقة من آله ، وإنما هو من آل موسى وأتباعه ؛ حيث آمن به وترك اتباع فرعون ، واللّه أعلم .
والثاني : من آله ، أي : من نسبه ؛ لأنه ذكر أنه كان ابن عمه ، واللّه أعلم .
وقوله :
يَكْتُمُ إِيمانَهُ .
إشفاقا على نفسه ، ولا يظهر الموافقة لهم على ما هم فيه ؛ إذ قدر على الكتمان دون إظهار الموافقة لهم ، وعلى ذلك المكره على إظهار الكفر إذا قدر على ألا يظهر ما أريد منه من كلمة الكفر ولا يقتل بالامتناع لا يسع له إظهار ذلك لهم ، فإن لم يقدر فحينئذ يسع ؛ فعلى ذلك ما ذكرنا ، واللّه أعلم .
وقوله - عزّ وجل - :
أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ .
فيه إخبار أنه كان يكتم إيمانه ؛ إشفاقا على نفسه ، فلما خاف إهلاك رسول اللّه موسى - عليه السلام - فعند ذلك أظهر ما كان يكتمه وإن كان في إظهار ذلك إهلاك نفسه بعد أن يرجو نجاة نبي من الأنبياء - عليهم السلام - وهكذا يجب ألا يسع كتمان ما كان يكتمه وإن كان نفسه تهلك إذا أظهر إذا كان في إظهار ذلك نجاة رسول من رسل اللّه تعالى - عليهم السلام - بحجج يدفع الهلاك بها عن نفس ذلك الرسول « 1 » ؛ وكذلك ذكر عن أبي بكر الصديق - رضي اللّه عنه - أن أهل مكة لما هموا قتل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وإهلاكه ، ألقى أبو بكر - رضي اللّه عنه - نفسه عليه ، وقال ما قال ذلك الرجل الذي كان يكتم إيمانه حيث قال :
أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ
فعند ذلك نزلت هذه الآية على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ولم تكن نزلت قبل ذلك « 2 » ، واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) ثبت في حاشية أ : في بذل النفس ؛ لنجاة رسول من رسل اللّه تعالى . م .
( 2 ) أخرجه البخاري ( 4815 ) بنحوه .