تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
[ مريم : 44 ] ، ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان ، لكن من عبد شيئا دون اللّه إنما يعبده بأمر الشيطان ، فإذا عبده بأمره فكأنه عبده ؛ هذا وما ذكرنا كله يبطل مجادلة الكفار فيما خاصموا ، واللّه أعلم . وقال بعضهم « 1 » : ضرب المثل لعيسى - عليه السلام - هو أن اللّه - تعالى - لما ذكر عيسى - عليه السلام - في القرآن قال مشركو العرب من قريش لمحمد صلى اللّه عليه وسلم : ما أردت بذكر عيسى ؟ وقالوا : إنما يريد محمد أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى وعبدته ، فقالوا :
أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ
فلا يصنع محمد ذلك بآلهتنا ، فو اللّه لهم خير من عيسى ، أو ما قالوا ؛ فقال اللّه - عزّ وجل - :
ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا
أي : إلا ليجادلوك بالباطل ، وهو قول قتادة . ويحتمل أن يكون ما ذكر من ضرب المثل بابن مريم - عليهما السلام - من قومه - أعني : عيسى - لا من قوم محمد صلى اللّه عليه وسلم وذلك أن قومه قد اختلفوا فيه ؛ فمنهم من قال : إنه إله وإنه رب ، ومنهم من قال : إنه ابن الإله ، ومنهم من قال : إنه وأمه إلهان ، ونحو ذلك من الاختلاف الذي كان بينهم فيه ، فيكون قوله :
وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا
قال قومه على ما ذكروا فيه ، ثم قال :
إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ
أي : يعرضون عن عيسى ويضجون على ما ذكرنا ، واللّه أعلم . أو أن نكف ونمسك عن بيان ذكر المثل الذي ذكر في الآية ؛ لما لا حاجة إلى ذلك ، وهو شيء ذكره أولئك الكفرة ، واللّه أعلم . ثم قوله - تعالى - :
إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ
قرئ برفع الصاد وكسرها . قال القتبي وأبو عوسجة :
يَصِدُّونَ
بالكسر : يضجون ، والتصدية منه ، وهو التصفيق ، ومن قرأ بالرفع يقول : يعدلون ويعرضون « 2 » . وقوله - عزّ وجل - :
وَقالُوا أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ
هو يخرج على الوجهين اللذين ذكرناهما ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ
أي : عبرة وآية لبني إسرائيل ؛ لما كان هو مولودا من غير والد ، ولما كان يحيي الموتى ، ويبرئ الأكمه والأبرص ، وما كان منه من تكليمه للناس وهو في المهد ، وغير ذلك من الآيات
هامش
( 1 ) قاله قتادة ، أخرجه ابن جرير ( 30921 ) ، ( 30922 ) وعبد الرزاق وابن المنذر عنه كما في الدر المنثور ( 5 / 728 ) . ( 2 ) انظر : تفسير ابن جرير ( 11 / 201 ) .