تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
والثاني : يقولون : إن كان يعذب عيسى وغيره الذين عبدوا دونه فالأصنام التي نعبدها نحن لا تعذب ؛ لأنها خير من أولئك ، واللّه أعلم . فنقول : إنما يكون لهم هذا الاحتجاج بالآية ؛ أن لو كانت الأصنام إنما تحرق في النار تعذيبا لها ، أعني : الأصنام ؛ فأما إذا كانت الأصنام إنما تحرق بالنار تعذيبا لمن عبدها ، وعقوبة لمن اتخذها أربابا دون اللّه فلا ، وإنما تحرق الأصنام التي اتخذوها من الحجارة والحديد والصّفر ؛ لزيادة تعذيب العبدة ؛ كقوله - تعالى - :
وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ
[ البقرة : 24 ] مع أنه لا جناية من الأصنام ، ولا ضرر لها بالإحراق ؛ فكيف يحرق عيسى ومن عبد دونه من الملائكة ، وفي إحراقهم تعذيبهم ؛ إذ هم يتضررون بها ، ولا جناية منهم ، فإذا كان إدخال الأصنام التي عبدوها وإحراقها في النار لتعذيب أولئك الذين عبدوها فلا معنى لتلك الخصومة والمجادلة التي كانت منهم ، واللّه أعلم . وبعد : فإن في الآية بيانا على أن الذي ذكر من جعل المعبود حصبا للنار راجع إلى عبادة الأصنام والأوثان خاصة دون غيرهم ؛ لأنه خاطب أهل مكة بقوله :
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ . . .
الآية [ الأنبياء : 98 ] ، وأهل مكة كانوا لا يعبدون إلا الأصنام والأوثان ، لا عيسى ولا غيره من البشر والملائكة ، فذلك لهم ولكل عابد الأصنام دون غيرهم من المعبودين ؛ استدلالا بهم ، واللّه أعلم . على أن في الآية بيانا - أيضا - أنه لم يرجع إلى ما ذكروا من عيسى وغيره ، فإنه قال :
وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ الأنبياء : 98 ] وكلمة « ما » تستعمل في [ غير ] العقلاء من الجمادات وغيرها ، لا في ذوات العقلاء . وعلى أن في الآية بيانا من وجه آخر - أيضا - على أنهم غير مرادين بها ، فإنه استثنى وخصّ بقوله - تعالى - :
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ
[ الأنبياء : 101 ] أخبر أن من سبقت [ له ] منه الحسنى يكون مبعدا عنها ، ولا شك أن عيسى والملائكة - عليهم السلام - قد سبقت لهم منه الحسنى ، فلا يحتمل صرف تلك الآية إليهم ، واللّه أعلم . ويحتمل أن يكون قوله :
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ . . .
الآية [ الأنبياء : 98 ] ، إلى كل من منه الأمر بالعبادة لهم والدعاء إلى ذلك ، وهم الشياطين ؛ لأن من عبد دون اللّه أحدا إنما يعبده بأمر الشياطين ودعائهم إليه ، فأما من كان يتبرأ من الأمر لهم بذلك وعبادتهم له فلا يحتمل ، وذلك نحو قوله - تعالى - :
يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ الفرقان : 17 ] ، وقال إبراهيم لأبيه :
يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ