تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
نعلم أنك لست بساحر وأنك رسول ؛ فنؤمن بك . ويحتمل أن يكون عندهم أن اليد البيضاء والعصا ، وما أتى به موسى مما يبلغ السحر إلى تغيير ذلك عن جوهره ، ويستفاد بالسحر مثله ، لكن سألوا منه أن يسأل ربه ما ذكروا ؛ لما علموا أن إجابة الدعاء فيما دعا لا يكون لساحر ، ولا يجاب إلا للرسول والذي على الحق ، فإذا أجابك إلى ما سألت آمنا بك ، واللّه أعلم . ويحتمل أن يكونوا قالوا ذلك على حقيقة إرادة السحر على التناقض والتمويه على الأتباع ؛ كقوله :
مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها
[ الأعراف : 132 ] فالآية لا يسحرهم بها ؛ لأن الآية هي التي لا حقيقة لها ولا دوام ، فإذا كان آية لا يسحرهم بها ، ولا تكون سحرا ، وإذا كان سحرا لا يكون آية ، فكانت عامة أقوالهم خرجت على التناقض ؛ على ما ذكرنا في غير آي من القرآن ، فعلى ذلك يحتمل هذا ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
بِما عَهِدَ عِنْدَكَ
قد كان اللّه - عزّ وجل - عاهد موسى - عليه السلام - لئن آمنوا ، أكشف عنهم العذاب ، فلما دعا وكشف عنهم العذاب ، لم يؤمنوا ، واللّه أعلم . ويشبه أن يكون عهده إليه ما جعله نبيّا واختصه لرسالته . ويحتمل قوله - تعالى - :
بِما عَهِدَ عِنْدَكَ
على الإضمار ؛ كأنهم قالوا : ادع لنا ربك بما عهد كل واحد منا عندك لئن كشفت عنا العذاب إنا لمهتدون ، وهو قوله - تعالى - في آية أخرى :
لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ
[ الأعراف : 134 ] ، ألا ترى أنه قال :
فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ
، أي : ينقضوا ما عهدوا ، وعهدهم ما ذكرنا ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلا تُبْصِرُونَ
يقول اللعين هذا مقابل ما ادعى موسى - عليه السلام - من الرسالة ، يموه بذلك على قومه وأتباعه ؛ أي : لئن كان اللّه أرسل رسولا ، فأنا أحق وأولى بالرسالة من موسى ؛ ولذلك قال :
أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ
أي : ضعيف لا مال له ، ولا حشم ، ولا تبع ،
وَلا يَكادُ يُبِينُ
حجته ، وكذلك قال :
فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ
كما ألقي علي ، وكما أعطاني من المال والذهب . أو يقول : إن من كان له رسول يكرمه بأنواع الكرامات ويبذل له أموالا ، فإذ لم يؤته شيئا من ذلك فليس برسول . أو يقول : إنه لو كان رسولا كما يقول ، لألقى اللّه عليه من الأساورة ما ألقيت أنا على