تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
والثاني : النهي عن استعجاله ؛ كقوله :
وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ
[ الأحقاف : 35 ] كأنه يقول : ليس ذلك إليك ، إنما ذلك إليّ : إن شئت أنزلت في حياتك وأريتك ذلك ، وإن شئت أمتك ولم أرك شيئا من ذلك ، وهو كما قال :
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ . . .
الآية [ آل عمران : 128 ] . وقال قتادة في ذلك : إن اللّه - تعالى - أذهب نبيه صلى اللّه عليه وسلم وأبقى النقمة بعده ، ولم يره في أمته إلا الذي تقر به عينه ، وليس نبي أو رسول إلا وقد رأى في أمته العقوبة غير نبيكم ، عافاه اللّه - تعالى - عن ذلك ، ولا أراه إلا ما يقر به عينه ، قال : وذكر لنا أن نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم أري الذي تلقى أمته من بعده ، فما زال إلا منقبضا ما استشاط ضحكا حتى لحق بالله تعالى « 1 » . وقال الحسن « 2 » قريبا من قول قتادة في قوله - تعالى - :
فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ
قال : أكرم اللّه - تعالى - نبيه صلى اللّه عليه وسلم أن يريه في أمته ما يكره ، ورفعه اللّه - تعالى - وبقيت النقمة . وقوله - عزّ وجل - :
فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
الوحي إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من وجوه ثلاثة : أحدها : القرآن ، وهو الظاهر من الوحي إليه . والثاني : وحي بيان ، يبين للناس ما لهم وما لله عليهم ، وما لبعضهم على بعض على لسان الملك جبريل أو غيره ؛ على ما أراد اللّه تعالى . والثالث : وحي إلهام وإفهام ، كقوله - تعالى - :
لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ
[ النساء : 105 ] وما أراه اللّه - تعالى - هو ما ألهمه وأفهمه أمره - عزّ وجل - بالتمسك على أنواع ما أوحي إليه ما هو قرآن وما هو بيان ، وما هو إفهام ، وأراه وآمنه أن يزيغ أو يزل أو يعدل عن الصواب في ذلك كله ، ويبشره في ذلك كله أنك لو تمسكت بجميع ما أوحي إليك كنت على صراط مستقيم ؛ حيث قال :
فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ .
وقوله - عزّ وجل - :
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ
جائز أن يكون المراد بالذكر جميع أنواع ما أوحي إليه ؛ فإن قوله :
وَإِنَّهُ
كناية عن قوله :
بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ
أي : جميع ما
هامش
( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 30872 ) ، ( 30873 ) وزاد السيوطي في الدر المنثور ( 5 / 724 ) عبد الرزاق وعبد ابن حميد وابن المنذر والحاكم عنه عن أنس بن مالك . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 30871 ) وابن المنذر ، كما في الدر المنثور ( 5 / 724 ) .