وقوله - عزّ وجل - :
جاءَهُمُ الْحَقُّ
أي : القرآن
وَرَسُولٌ مُبِينٌ
أي : محمد صلى اللّه عليه وسلم بين أنه من عند اللّه - تعالى - جاء ، وأنه رسوله صلى اللّه عليه وسلم .
وقوله - عزّ وجل - :
وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ
، لم تزل كانت عادة رؤساء الكفرة والأشراف منهم التكلم بهذه الكلمة عند نزول الآيات والمعجزات ؛ يريدون بذلك التمويه على أتباعهم والتلبيس ، فعلى ذلك قول هؤلاء :
هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ .
وقوله - عزّ وجل - :
وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
ظن هؤلاء أنه لما وسع عليهم الدنيا ، وأنعم عليهم ، وأعطى لهم الأموال إنما أعطوا ذلك ووسع عليهم لكرامة لهم عند اللّه - تعالى - وفضل وقدر لديه ، ومن ضيق عليه الدنيا ولم يعط ذلك إنما ضيق عليه ومنع لهوانه عنده ، فقالوا [ عند ] ادعاء محمد صلى اللّه عليه وسلم الرسالة ونزول القرآن عليه من اللّه - تعالى - :
لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
ظنوا أن من عظم قدره ومنزلته عند الخلق بما وسع عليه وأعطي من الأموال هو عند اللّه كذلك ، قالوا : لو كان ما يقول محمد حقّا : إن هذا القرآن إنما أنزل من عند اللّه ، هلا أنزل على رجل من القريتين عظيم ؟ فأخبر - عزّ وجل - أنه لم يوسع الدنيا على من وسع لفضل منزلته وقدره عنده ، وعلى من ضيق إنما ضيق لهوان له عنده ، لكن رب مضيق عليه مكرم عظيم عند اللّه ، ورب موسع عليه يكون مهانا عنده .
وقوله - عزّ وجل - :
أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
هو يخرج على وجهين :
أحدهما : أي : إنهم لا يملكون قسمها على تدبير ما أنشئوا ، وعلى تقدير ما خلقوا ، وهي ما ذكر من المعاش وأسباب الرزق من التوسيع والتفضيل ، فالذي لم يجعل إليهم في ذلك شيء من تدبيره وتقديره أحق وأولى ألا يملكوا قسم ذلك بينهم واختياره ، وهو النبوة والرسالة ، ووضعها حيث شاءوا ؛ هذا أحد التأويلين .
ثم قوله - تعالى - :
نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ
دلالة في خلق أفعال الخلق ؛ لأن التفضيل والتوسيع في الرزق والمعيشة إنما يكون باكتساب يكون منهم ، وأسباب جعلت لهم ، ثم أخبر أنه هو يقسم ذلك ، دل ذلك على أنه هو منشئ أكسابهم ، وخالق أفعالهم ، وأن له في ذلك تدبيرا ؛ لأنا نرى من هو أعلم وأقدر على أسباب الرزق كانت الدنيا عليه أضيق ، ومن هو دونه في تلك الأسباب والاكتساب كانت عليه أوسع ؛ [ دل ] ذلك على أنه [ لو كان ] على تدبيرهم خاصة ، لكانت تكون هي أوسع على من هو أجمع لأسبابها واكتسابها ، وأقدر على ذلك ، وتكون [ أضيق ] على من ليست له تلك الأسباب .