والثاني : أي : فإنه سيهديني في حادث الوقت ، والهدى مما يتجدد ، فينصرف إلى إرادة حقيقة الهدى .
فعلى هذين الوجهين يخرج على التوفيق إلى الهدى ، والعصمة عن ضده في المستقبل ، ولا يحتمل أن يريد بهذا الهدى البيان بأن يقول : فإنه سيبين لي ؛ لأنه قد بين له جميع ما يقع له الحاجة إليه ، فلا يحتمل أن يسأل البيان ، ولا يحتمل الأمر - أيضا - فإنه قد تقدم الأمر به ، ويرجع إلى حقيقة الهدى ، أو إلى التوفيق والعصمة ، ويكون في الآية دلالة على أن عند اللّه - تعالى - لطفا ، وهو ما ذكرنا : [ أنه ] من أعطى ذلك يصير مهتديا ، وأنه لم يعط الكفرة ذلك ، ولو أعطاهم لآمنوا .
وقوله :
وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ .
هذا يحتمل وجهين :
أحدهما : الكلمة الباقية هي كلمة الهداية والتوحيد ، فإنه سأل أن يجعل ما وجد منه من التبري من غير اللّه - تعالى - وتحقيق عبادة اللّه - تعالى - بقوله :
إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ . إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي
كلمة باقية ، وأنه كلمة التوحيد ، فإن قوله : « لا إله » ، نفي غير اللّه ، وقوله : « إلا اللّه » ، إثبات ألوهية اللّه - تعالى - وذلك معنى قوله :
إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ . إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي
وهو كقوله - تعالى - :
تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ . . .
الآية [ آل عمران : 64 ] ، وأجاب اللّه - تعالى - سؤاله في دعائه ، فلم يزل في ذرية إبراهيم وعقبه من يقولها ، وذلك قوله - تعالى - :
وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
[ البقرة : 132 ] .
والثاني : الكلمة الباقية : هي كلمة الدعوة إلى الهدى والتوحيد ، وهي عبارة عن إبقاء النبوة والخلافة في ذريته إلى يوم القيامة ، وهو ما قال :
إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ
[ البقرة : 124 ] أخبر أن الظالم من ذريته لا ينال عهده ، فأما من لم يكن ظالما فإنه ينال عهده ، وقد استجاب اللّه دعاءه ، فلم يزل الدعوة في ذريته والنبوة في خلفائهم إلى يوم القيامة ؛ قال اللّه - تعالى - :
وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ
[ الرعد : 7 ] ، واللّه أعلم .
وقوله - عزّ وجل - :
بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ
أخبر أنه متعهم وآباءهم في مكان لا نبات فيه ، ولا زرع ، ولا ماء ، سخر الناس وحملهم على أن يحملوا إليهم الطعام ، والأغذية ، وأنواع الفواكه من الأمكنة البعيدة ، ويجلبون إليهم ما ذكرنا ، فذلك ما ذكر من تمتيعه إياهم .