وقوله :
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ . إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي
والإشكال : أنه - عليه السلام - تبرأ من عبادة جميع ما يعبدون ، واستثنى عبادة الذي فطره وهو اللّه - تعالى - وهم لا يعبدون الذي فطره ، فكيف يستثني من جملة عبادة من يعبدون ، والاستثناء [ إنما يكون ] من جنس المستثنى منه .
فنقول : قال بعضهم : إنه تبرأ من عبادة من عبدوا واستثنى عبادة من فطره ؛ لأن فيهم من عبد الذي فطره ، [ وهو ] اللّه - تعالى - فلو تبرأ من عبادة جميع ما يعبدون على الإطلاق لصار متبرئا عن عبادة اللّه - تعالى - لذلك استثنى عبادة اللّه ، واللّه أعلم .
لكن الإشكال أنه لم يظهر أن في قومه من يعبد اللّه - تعالى - وهو الذي فطره وخلقه ، فما معنى الاستثناء ، فيقال : إنه لم يكن في قومه من يعبد الذي فطره ، فكان في آبائهم وأوائلهم من يعبد الذي فطرهم ، فيرجع استثناؤه إلى ذلك ، واللّه أعلم .
ويحتمل أنه إنما استثنى الذي فطره على طريق الاحتياط ؛ لاحتمال أن يكون فيهم من يعبد اللّه - تعالى - ولا وقوف له على ذلك فيصير متبرئا من ذلك لو تبرأ ممن يعبدون جميعا ، واللّه أعلم .
ويحتمل أن يكون استثنى الذي فطره ؛ لأنهم كانوا يعبدون هذه الأصنام والأوثان دون اللّه - تعالى - رجاء أن تشفع لهم فتقربهم إلى اللّه زلفى ؛ لقولهم :
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
[ الزمر : 3 ] وقولهم :
هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ
[ يونس : 18 ] فرجع استثناؤه إلى حقيقة الذي قصدوا بالعبادة ، وهو الذي فطرهم ، واللّه أعلم .
ويحتمل أن يكون هذا استثناء منقطعا وهو الاستثناء بخلاف الجنس بمعنى لكن ، معناه : إني براء مما تعبدون ، ولكن أعبد الذي فطرني ، وذلك جائز في اللغة ؛ كقوله - تعالى - :
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً
[ مريم : 62 ] ، وقوله - عزّ وجل - :
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ
[ النساء : 29 ] أي : ولكن تجارة عن تراض ؛ لأنه لا يجوز أن يستثنى التجارة عن تراض من الباطل ، ولا السلام من اللغو ، ونحو ذلك كثير ، واللّه أعلم .
وقوله - عزّ وجل - :
إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ
ذكر أن هذا الحرف
بُرَآؤُا
على ميزان واحد في الوحدان والتثنية والجمع .
وقوله - عزّ وجل - :
فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ
هذا يخرج على وجهين :
أحدهما : أي : سيثبتني على الهدى .