تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
روحا ؛ لأنه يحيي به الدين ، وتكون به حياة الدين ، ويحيي به الأبدان ، وهو حياة الذكر والشرف ، وهو كقوله :
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ
[ آل عمران : 169 ] حياة الذكر والشرف ، واللّه أعلم . وقوله :
ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ
أمّا الكتاب فإنّه لا شك أنه كان لا يدريه ولا يعلمه حتى أدراه وأعلمه ، وأمّا الإيمان حيث أخبر أنه لا يدريه فهو يحتمل وجوها : أحدها : ما كنت تدري ما الإيمان ؟ في حق اللسان . أو ما كنت تدري ما الإيمان ؟ في حق الإيمان . أو ما كنت تدري ما الإيمان ؟ في حق قدره ومحله ومنزلته عند اللّه تعالى . فإن كان المراد في حق اللسان ، فهو ظاهر أنه كان لا يدري في حق ابتداء الأمر أن الإيمان هو التصديق أو التوحيد ، أو ما هو ؟ وهو معروف أنه كان لا يدريه في حق اللسان حتى أدراه وأعلمه أنه ما ذا ؟ وكذلك جميع أهل اللسان ، لا علم [ لهم ] بذلك حتى علمهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فنزل [ جبريل ] ، وسأل النبي صلى اللّه عليه وسلم : ما الإيمان ؟ وما الإسلام ؟ على صورة أعرابي حتى قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن هذا كان جبريل نزل ليعلمكم معالم دينكم » « 1 » ، واللّه أعلم . وإن كان في حق فعل الإيمان ومباشرة ركنه ، فهو إذن كان غير قادر على فعله وإتيانه على هذه وكان لا يدري ، لكنه لا يدريه فإنه لا يوصف بالجهل به ؛ ألا ترى أن الصغار لا يدرون ، ولا يقال : إنهم جهلة ، وإنما يوصف بالجهل من ملك الفكرة والنظر وأسباب العلم ثم ترك ذلك ، فعند ذلك يوصف بالجهل ، فأما من لم يملك ذلك ولم يبلغ هذا المبلغ فإنه لا يوصف بالجهل ؛ ألا ترى أنه يقال للأعراض والأشياء : إنها لا تدري ولا توصف بالجهل ؛ فعلى ذلك يجوز أن يوصف ويقال : إنه كان لا يدري ، ولا يوصف ولا يقال : إنه كان جاهلا به ، واللّه أعلم . ألا ترى أن الولد في البطن لا يوصف بأن له سمعا وبصرا ونحوه ؛ لأنه ليس بمحل للسماع والبصر ، فإذا أخرج منه عند ذلك يجعل له لما مكن من السماع والبصر ، وهو ما ذكر بقوله :
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ
[ النحل : 78 ] عندما مكن لهم ذلك . وإن كان المراد : أنه لا يدري في حق المحل والمنزلة والقدر ، فهو هكذا كان لا يدري
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( 50 ) ، ومسلم ( 5 / 9 ) ، من حديث أبي هريرة .