قوله تعالى :
[ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 36 إلى 43 ]
فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 36 ) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ( 37 ) وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 38 ) وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ( 39 ) وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 40 )
وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ( 41 ) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 42 ) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 43 )
وقوله :
فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى
هذا يخرج على وجهين :
أحدهما : أن اللّه - تعالى - أعطى من أعطى هذه النعم واللذات في هذه الدنيا ؛ ليكتسبوا بها نعمة دائمة ولذة باقية ، وكذلك ما أعطاهم من السمع ، والبصر ، وغير ذلك من الحواس ؛ ليكتسبوا بها ما يدوم ويبقى ، فمن استعمل ما أعطاه من الأموال واللذات مما ذكرنا في غير ما أمر به وجعل سمي : خاسرا عابثا ، وكذلك من استعمل ما أعطاه من الحواس في غير ما جعلت وأمر باستعمالها يسمّى : أصم أبكم أعمى ، وكذلك النفس ؛ إذ المرء [ لم ] يكتسب بها حياة دائمة سمي : ميتا ، واللّه أعلم .
أو أن يقال : إنهم ما أعطوا في هذه الدنيا من اللذات والمتعة إلا ترغيبا فيما أبقى عنده ووعدهم في الآخرة ، وكذلك ما امتحنوا من الشدائد والمصائب إلا تحذيرا وترهيبا عما أوعدهم وخوفهم في الآخرة .
ثم قوله :
فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا
أي : تتمتعون به فيفنى ويزول عن سريع وما أبقى ، ولم يؤتكم هو الباقي الدائم ، ثم بين أن ما أبقى عنده لمن ؟ بقوله :
لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
آمنوا بأن له الدنيا والآخرة ، وأن له الخلق والأمر ، وأنه بريء عن جميع معاني الخلق
وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
، أي : يكلون أمورهم إلى ربهم ، هو مفزعهم ومعتمدهم ، لا يفزعون إلى أحد سواه ، ولا يعتمدون غيره في جميع أحوالهم .
ثم نعتهم - أيضا - بما ذكر من الاجتناب عن الكبائر والفواحش فقال :
وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ
جائز أن يكون ما ذكر من كبائر الإثم هي الفواحش ، والفواحش هي كبائر الإثم ، كل واحد منهما في معنى الآخر ، واللّه أعلم .
وقال بعضهم : كبائر الإثم : أنواع ما بها يصير المرء مشركا ، وهي كبائر الشرك ، والفواحش هي التي توجب الحدود في الدنيا .
وقيل : الكبيرة : ما يكبر ويعظم من الذنب ، والفاحشة : ما يفحش من العمل ، وقد