ومعنى هذا الكلام هو ما ذكر من مبد الأرض بأهلها ، والتسرب في الماء ، ثم أرساها وأثبتها بالجبال ، وطبع الجبال التسرب والانحدار في الماء فيجيء أن تزيد في التسرب والانحدار في الماء ، لا أن تثبتها وتقرها على وجه الماء ، لكن بلطفه ومنّه أقر بها الأرض ، وأثبتها ومنع بها عن التسرب والانحدار والميد بأهلها ، فعلى ذلك السفن في البحار تستقر على الماء ولا تنحدر كالجبال مع الأرض في القرار على الماء ، واللّه أعلم .
ويحتمل قوله :
كَالْأَعْلامِ
معنى آخر وهو الأعلام أنفسها ، وهو أن جعل السفن سببا وطريقا للوصول إلى منافع بعدت منهم ، وصعبت عليهم ، فإذا حمل فيها الأحمال من بلد إلى بلد آخر ومن مكان إلى مكان يسر أهل المحمول إليهم بتلك الأحمال والسفن إذا رأوها في البحار تحمل إليهم ؛ لسعة يرجون بها ومنافع تصل لهم ، وكذلك يسر أهل البلد المحمول إذا رأوها راجعة إليهم سالمة ؛ لما يحصل لهم من الأثمان والأغراض بها ، فتكون السفن أعلاما وأدلة لهم على الوصول إلى الأغراض والمنافع ، واللّه أعلم .
وقوله :
إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ
يذكر فضله ومنته بما أجرى هذه السفن في البحار التي ذكر ، فأخبر أنه لو شاء لأمسكها ومنعها على الجريان ثم صير الريح نوعين :
أحدهما : طيبة بها تجري السفن .
والأخرى : عاصفة شديدة تهلك بها السفن ، وهو ما ذكر في آية أخرى ، وهو قوله - تعالى - :
حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ . . .
الآية [ يونس : 22 ] .
ثم في ذلك خلال ثلاث تدل على أن الريح ليست تجري السفن وتهب بطبعها وبنفسها ، ولكن بالله تعالى - :
أحدها : أخبر أنه جعل نوعا منها طيبة تجري السفن ، والأخرى عاصفة ، تهلك السفن ، وتهيج الأمواج .
والثاني : ما ذكر في هذه الآية :
إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ
أخبر أنه لو شاء لأسكن الريح فبقين رواكد على ظهر الماء ؛ فدل أنه هو المجري لها حيث كان هو المسكن .
والثالث : أن فعل الطبيعي على سنن واحد كالحرارة في النار ، والبرودة في الثلج وأمثال ذلك ، ولو كان جريان الريح وهبوبها بنفسها وطبعها ، لكانت لا تسكن في حال ، ولا تكون مرة طيبة سالمة ، ومرة شديدة عاصفة مهلكة ؛ دل أن ذلك كان بالله - تعالى - لا بالطبع ، واللّه الموفق .