تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
وقوله :
وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ .
العلوّ والعظمة - في الشاهد - يكون من وجوه ثلاثة : أحدها : العلو عبارة عن القهر والغلبة ؛ يقال : فلان عال ؛ أي : غالب وقاهر . والعظمة عبارة عن القدر ، والمنزلة ، ونفاذ الأمر . والثاني : يكون العلو عبارة عن الكبرياء ، والسؤدد ، وكذلك العظمة . والثالث : العلو يكون عبارة عن الارتفاع في المكان ، والعظمة : عظمة في البدن والنفس ، وهذا مما لا يكون فيه كثرة منقبة وقدر ، ولا شيء من ذلك ، ولا يزيد ذلك في صاحبه رفعة ولا مرتبة ، واللّه يتعالى عن الوصف بهذا ، فإنما رجع الوصف له بالعلوّ والعظمة إلى الوجهين الأوّلين ، والسلطان ، والقدرة ، ونفاذ الأمر والمشيئة والكبرياء ، والغلبة . فأمّا ما رجع إلى الارتفاع في الأمكنة ، والعظمة في البدن - فهو صفة المخلوق ، وهم الموصوفون بذلك ، تعالى اللّه عما يقول الظالمون علوّا كبيرا . وقوله :
تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ .
يحتمل هذا وجهين : أحدهما : تكاد يتفطرن لذنوب أهل الأرض ، وفسادهم ، وعظيم ما قالت الملاحدة في اللّه من الولد ، والشريك ، والصاحبة ، كادت تنشق لذلك وتتساقط ، كقوله في آية أخرى :
تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً
[ مريم : 90 - 91 ] ، بين في هذه الآية أنها كادت تنفطر وتنشق لما ذا ؛ وهو دعواهم للرحمن ولدا ؛ فلذلك يحتمل - هاهنا - هذا المعنى ، واللّه أعلم . والثاني : كادت تنشق لبكاء أهلها عليها ، وإشفاقا ورحمة على أهل الأرض . ويحتمل : تكاد تنشق لعظمة الربّ ، وجلاله ، وعظم سلطانه ؛ كقوله - تعالى - :
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
[ الحشر : 21 ] . أخبر أنه لو جعل في الجبال والأرض والسماء من المعنى والتمييز ما جعل في البشر ، لكانت هذه الأشياء بالوصف الذي ذكر من الخضوع لربّها ، وهو كما ذكر في آية أخرى :
وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
[ البقرة : 74 ] يخبر عن شدّة خضوع هذه الأشياء وخشوعها لربّها وتذللها له ، وعناد الكفرة واستكبارهم ، وقلة خضوعهم لربّهم ، واللّه أعلم . ويحتمل أن يكون قوله - تعالى -
تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ
؛ لكثرة أهلها وازدحامهم فيها ، وعبادتهم لربهم ، على ما ذكر في الخبر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أطت السماء
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 102 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم