تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
إلا بكذب وباطل ، فمن لا ينزل إلا بكذب وباطل لا ينزل إلا على كذاب أفاك ، وكان معلوما عندهم أن محمدا لم يكذب قط ولا أفك أبدا ؛ إذ لم يأخذوه يكذب فيما بينهم قط ، فيقول - والله أعلم - كيف يتنزل عليه الشياطين وهو معروف عندكم أنه ليس بكذاب ولا أفاك ، وقد تعلمون أن الشياطين لا ينزلون إلا بكذب وباطل ؟ ! على هذا يخرج تأويل هذه الآيات ، وإلا على الابتداء لا يحتمل أن تكون . ثم أخبر عن صنيع الشياطين فقال :
يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ
: قال بعضهم : يلقي الشياطين بآذانهم إلى السمع في السماء لكلام الملائكة ، وذلك أن الله إذا أراد أمرا في الأرض علم به أهل السماء من الملائكة ، فيتكلمون به فيسمع الشياطين ذلك ، فيخبرون به الكهنة ، فيخبر الكهنة أهل الأرض بذلك ، فيقولون : إنه يكون في الأرض كذا في وقت كذا ، ثم قال :
وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ
- على هذا التأويل - : وأكثر الشياطين كاذبون فيما يخبرون الكهنة من أخبار السماء . وقال بعضهم « 1 » : إن الجن كانوا يصعدون إلى السماء فيسترقون أسماعهم إلى السماء ، فيسمعون من أخبار أهلها ، ثم ينزلون به على الكهنة ، ويسمع الكهنة - أيضا - من أخبار الرسل ، ويخلطون ما سمعوا من الرسل من الحق بما سمعوا من الشياطين . وقال بعضهم : كانوا يسمعون من الجن حقّا ، لكنهم يخلطون من عند أنفسهم كذبا ، فيحدثون به الناس ، حتى إذا كان الناس يتركون ما يسمعون منهم من الكذب ، حدثوهم بذلك الحق الذي نزل به من السماء ، ويراجعونهم ويصدقونهم ؛ فذلك قول الله :
وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ
أي : أكثر قولهم كذب ، والله أعلم بذلك . وقوله :
وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ
قال بعضهم « 2 » : رجلان شاعران كانا على عهد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : أحدهما من الأنصار ، والآخر من قوم آخرين ، فهجوا رسول الله وأصحابه ومع كل واحد منهما غواة من قومه ؛ فذلك قوله :
وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ
. قال : فاستأذن شعراء المسلمين النبي أن يقتصوا من المشركين ، فأذن لهم النبي ، فهجوا المشركين ومدحوا النبي صلى اللّه عليه وسلم وذلك قوله :
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
؛ أخبر في الأول :
وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ
، فاستثنى شعراء المسلمين بقوله :
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا
.
هامش
( 1 ) قاله قتادة ، أخرجه ابن جرير ( 26828 ) ، وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، كما في الدر المنثور ( 5 / 184 ) . ( 2 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير عنه ( 26838 ) ، وعن الضحاك ( 26839 ) ، وانظر : الدر المنثور ( 5 / 185 ) .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 92 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم