تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
المؤمنين ؛ كأنه أمر رسوله أن يتواضع لهم ويرحم ، وقال في الوالدين :
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
[ الإسراء : 24 ] ، وقال في المؤمنين : بعضهم لبعض فيما بينهم
رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
،
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ
، ذكر الذل فيما بينهم والرحمة ، ولم يذكر في رسول الله صلى اللّه عليه وسلم الذل - والله أعلم - لأن الذل كأنه يرجع إلى الخضوع واستخدام بعضهم بعضا ، وذلك في رسول الله بعيد لا يحتمل أن يأمره بالخدمة لهم . وجائز أن يمتحن بعضهم بخدمة بعض ، والله أعلم . وقوله :
فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ
قالوا : إنه راجع إلى قوله :
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ
وموصول به ؛ كأنه قال : وأنذر عشيرتك الأقربين فإن عصوك فقل
إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ
. قد كان رسول الله بريئا مما كان يعمل أولئك الكفرة ، لكنه يحتمل أن يكون أولئك لما أنذرهم رسول الله ، طلبوا منه أن يطيعهم في بعض أمورهم ويشاركهم في بعض أعمالهم ؛ حتى يطيعوا أولئك له في بعض ما يأمرهم ويدعوهم إليه ، ويشاركونه في بعض أعماله ، فقال عند ذلك : إنه بريء مما يدعونه إليه ، وطلبوا منه مساعدته إياهم والإغماض عما يعملون فقال :
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ
؛ كأنه أمنه عن شرهم وكيدهم فقال :
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ
، ولا تخف مخالفتهم إياك فيما تدعوهم إليه . أو أمره أن يكل نفسه إليه ، ويفوض جميع أموره في كل وقت فقال :
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ
، العزيز : المنتقم لأوليائه أو الشديد بأعدائه ، الرحيم بأوليائه . أو ذكر العزيز ؛ لأنه به يعز من يعز وهو يرحم من يرحم ، من لم يعزه هو لا يكون عزيزا ومن لم يرحمه هو لا ينفعه ترحم غيره ، والعزيز هو الذي لا يعجزه شيء . وقوله :
الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ
: في ظلمة الليل وحدك قائما وجالسا وعلى حالاتك ، ويراك في تقلبك - أيضا - في الساجدين في الصلاة مع الناس في الجماعة . وبعضهم يقول في
وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ
: في المصلين ؛ يقول : كان يرى من خلفه من الصفوف كما يرى من أمامه . لكن هذا ليس تأويل الآية ، بل كلام قاله من ذات نفسه ، ولو كان ما ذكر لكان يقول : يريك ، برفع الياء لا بالنصب « 1 » . وروي [ في ] بعض الأخبار : « أنا إمامكم ؛ فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ؛ فإني أراكم خلفي كما أراكم أمامي ، والذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم
هامش
( 1 ) ينظر : اللباب ( 15 / 99 ) .