تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 667

مساهمون:

ص٦٦٧
حبسها وكفها في احتمال ما حملت من الشدائد والمصائب والمؤن العظام ، احتملوا ذلك ولم يجزعوا ، وهو ما ذكر في غير آي من القرآن :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ . . .
الآية [ البقرة : 155 ] ، وقوله :
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً
[ الأنبياء : 35 ] ونحوه . قوله تعالى :

[ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 11 إلى 16 ]

قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ( 11 ) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ( 12 ) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 13 ) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي ( 14 ) فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ ( 15 ) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ ( 16 ) وقوله :
قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ . وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ
. يحتمل أن يكون قال هذا ؛ لما أن أهل مكة كانوا يدعون رسول الله صلى اللّه عليه وسلم إلى دينهم ودين آبائهم ، وكانوا يطمعون عوده إليهم ، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم :
قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ . وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ
ذكر هاهنا أنه أمر أن يعبد الله مخلصا له الدين ، وقال في آية أخرى :
قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ . . .
الآية [ الأنعام : 56 ] ، وقال في آية أخرى :
قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً . . .
الآية [ الأنعام : 56 ] ، أخبر أنه لو اتبع أهواءهم فيما هم فيه يضل وما كان من المهتدين ، ذكر في هذه الآيات النهي وترك اتباعه أهواءهم ، ولم يذكر الأمر فيها بعبادة الله تعالى مخلصا له الدين . أو أن يقول : إني إذا أمرتكم بعبادة الله أمرت أنا أيضا في نفسي أن أعبده مخلصا ، لست أنا كمن يأمر غيره شيئا ولا يأتمر بنفسه ، أو هو غير مأمور بذلك وهو ما قال :
وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ *
. أو يقول : لست أنا كالملوك يأمرون أتباعهم بأشياء ويستعملونهم في أمورهم [ و ] لا يستعملون في ذلك أنفسهم ، والله أعلم . وقوله :
قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
. الخوف هاهنا ليس هو حقيقة الخوف ، ولكن العلم كأنه قال : إني أعلم إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ، فآيسهم بالله بالمدينة عن عوده إلى دينهم ، وقطع طمعهم عنه ، وهو ما قال - عزّ وجل - :
الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ
[ المائدة : 3 ] فأما ما داموا بمكة فإنهم كانوا طامعين في ذلك راجين فيه ، والله أعلم . وقوله :
قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي . فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ
. إنه يخرج هذا الحرف منه مخرج التهدد لهم والتوعد ، يقول : أما أنا فإنما أعبد الله الحق وله أخلص ديني ، فاعبدوا أنتم ما شئتم فإنه يجزيكم جزاء عبادتكم ، كقوله تعالى :