تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 666

مساهمون:

ص٦٦٦
أو اتقوا مخالفة ربكم ونحوه . وأصل التقى : ما تهلكون ، أي : اتقوا مهالككم ، والله أعلم . وقوله :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ
. قال عامة أهل التأويل : للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة لهم في الآخرة . وجائز أن يكون لهم الحسنة في الدنيا و [ في ] الآخرة حسنة ؛ [ كقوله : ]
وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ . . .
الآية [ يوسف : 109 ] ؛ وكقوله - عزّ وجل - :
وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ
. ثم يحتمل الحسنة وجها آخر : استغفار الملائكة لهم والأنبياء - عليهم السلام - لأن الله - عزّ وجل - امتحن ملائكته على استغفار المؤمنين والمؤمنات ؛ كقوله :
وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ
[ الشورى : 5 ] ، وكذلك امتحن رسله بالاستغفار للمؤمنين ، وكذلك المؤمنون يستغفر بعضهم لبعض ونحوه . وقوله :
وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ
. ذكر هذا - والله أعلم - لأن من آمن منهم بمكة كانوا يظهرون الموافقة لأعدائهم ويقيمون فيما بينهم ، وكانت لهم أسباب التعيش في بلدهم ولم يكن لهم تلك في بلد غيرهم ، فخافوا الضياع إذا هم خرجوا من بلدهم فيهاجروا منها إلى غير بلدهم فيمتنعون عن ذلك ، فجاءت الآية على الترجي والإطماع لهم بمثل ذلك التعيش وأسبابه في غير ذلك البلد ، وهو ما ذكر في آية أخرى ، وهو قوله :
الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها
[ النساء : 97 ] لم يقدروا في تركهم الهجرة وإظهارهم الموافقة للأعداء ، ولهم طاقة ووسع التحول من بلدهم إلى بلد غيرهم ، إلا من لم يكن به طاقة الخروج من بينهم وهم الذين استثناهم وهو قوله :
إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ . . .
الآية [ النساء : 98 ] ، والله أعلم . و [ يحتمل ] قوله :
إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ
، وجوها : أحدها :
بِغَيْرِ حِسابٍ
أي : بغير تبعة ولا مئونة ؛ كقوله : « من نوقش الحساب عذب » . أو
بِغَيْرِ حِسابٍ
أي : لا يحاسبون ؛ لما ليس وراء تلك الدار الآخرة دار أخرى يحاسبون فيها ما أعطوا في الآخرة ليس كدار الدنيا يحاسب من أوتوا فيها في الآخرة ، وأما ما أعطوا في الآخرة فلا يحاسبون في غيرها . ويحتمل
بِغَيْرِ حِسابٍ
، أي : غير مقدر بالحساب ، ولكن أضعافا مضاعفة . ويحتمل
بِغَيْرِ حِسابٍ
، أي : بلا نهاية ولا غاية ، والله أعلم . ثم الصبر : هو حبس النفس إما على أداء ما أمر الله به والانتهاء عما نهى الله عنه ، أو