تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 670

مساهمون:

ص٦٧٠
وقال بعضهم : يستمعون إلى القرآن وفيه الأمر والنهي فيتبعون أمره وينتهون عما نهى عنه ، والله أعلم . وجائز أن يكون قوله :
فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ
، أي : يتبعون الحسن منه الأحسن ، بمعنى : الحسن ، والله أعلم . وقال قائلون « 1 » : فيتبعون أحسن ما في القرآن من الطاعة منه ؛ كقوله :
وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها . . .
الآية [ الأعراف : 145 ] ، وتأويله ما ذكرنا : أن خذوا ما فيه من الأمر وأتمروا به وانتهوا عما فيه من المناهي ، والله أعلم . وقوله :
وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ
. أي : أولئك هم المنتفعون بلبهم وعقولهم ؛ حيث اختاروا وآثروا هداية الله ونظروا إليها بالتعظيم والإجلال واهتدوا . وقوله :
أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ
. ذكر الله - تعالى - في هذه السورة أشياء لا يعرف لها أجوبة في الظاهر إلا بالتأمل والاستدلال على غيره ، من ذلك ما ذكر :
أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ
كأنه يقول - والله أعلم - : أفمن حق عليه العذاب كمن له البشرى في الآخرة ؛ لأنه ذكر فيما تقدم للمؤمنين البشرى حيث قال - عزّ وجل - :
وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى . . .
الآية ، على هذا يخرج جوابه : أفمن وجب عليه العذاب كمن وجب له البشرى ، لا سواء . أو أن يقول : أفمن حق ووجب عليه العذاب كمن شرح صدره للإسلام ، أي : ليس الذي وجب عليه العذاب كالذي شرح صدره للإسلام . أو أن يقول : هذا لنازلة كانت لرسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، لحرصه على إسلام قوم أحب أن يسلموا ، فقال هذا له على الإياس من إسلامهم ؛ يقول : أفمن وجب عليه العذاب ، أفأنت تنقذه وتخلص من النار من قد وجب عليه العذاب ، وهو ما قال - عزّ وجل - :
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ
[ القصص : 56 ] ؛ وكقوله :
أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
[ يونس : 99 ] كان لا يقدر أن يكرههم على الإسلام ، لكنه كان يحب ويحرص على إسلامهم ويحزن لتركهم الإسلام ؛ كقوله :
وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ
[ النحل : 127 ] ، وقوله :
لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ
[ الشعراء : 30 ] ،
فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ
[ فاطر : 8 ] ونحو ذلك ، كان يحزن وكادت نفسه تتلف إشفاقا عليهم ، فيقول : أفمن وجب وحق عليه
هامش
( 1 ) قاله قتادة أخرجه ابن جرير ( 30106 ) ، وعبد بن حميد كما في الدر المنثور ( 5 / 607 ) .