تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
والله أعلم - على ما ذكر في ظاهر الآية : واغفر لأبي فإنه من الضالين ؛ لأنه لا يجوز له أن يدعو له وهو كذلك ، لكن كان من إبراهيم الاستغفار له ، فأخبر الله له أنه من الضالين ؛ فيكون هذا الثاني إخبارا من الله لإبراهيم أنه من الضالين ، والأول قول إبراهيم . وكذلك قال بعض أهل التأويل في قصة بلقيس حيث قال :
إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً
[ النمل : 34 ] ، فصدقها الله تعالى في مقالتها وقال :
وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ
، يجعلون قوله :
وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ
تصديقا من الله لقول تلك المرأة ، وأمثال ذلك كثير في القرآن ، يكون بعضه مفصولا من بعض « 1 » [ كقوله ] :
وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ . لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ
[ القيامة : 15 ، 16 ] ؛ قوله :
وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ
مفصول من قوله :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ
، لا وصل بينهما ؛ فعلى ذلك دعاء إبراهيم يحتمل أن يكون قوله :
وَاغْفِرْ لِأَبِي
مفصولا من قوله :
إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ
، هذا جائز أن يكون إخبارا من الله لإبراهيم حين دعا له بالمغفرة أنه من الضالين . وجائز أن يكون قوله :
وَاغْفِرْ لِأَبِي
أي : أعط له ما به تغفر خطاياه وهو التوحيد ؛ فيكون سؤاله سؤال التوحيد له والتوفيق على ذلك ، وبه يغفر ما يغفر من الخطايا ؛ كقوله :
إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ
[ الأنفال : 38 ] . وعلى ذلك يخرج دعاء هود لقومه حيث أمرهم أن يستغفروا ربهم ، وهو قوله :
وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ
[ هود : 52 ] ،
وَأَسْلِمُوا لَهُ
[ الزمر : 54 ] ، طلب منهم ابتداء الإسلام ؛ إذ لا يحتمل أن يقول لهم : قولوا : نستغفر الله ، ولكن أمرهم أن يأتوا ما به يغفر لهم وهو التوحيد ؛ وكذلك قول نوح :
اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً
[ نوح : 10 ] . وقول أهل التأويل : « إن إبراهيم كذب ثلاثا » كلام لا معنى له ، لا يحتمل أن يكون الله يختاره ويجعل رسالته في الذي يكذب بحال . وقوله :
وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ
: قال أهل التأويل :
لا تُخْزِنِي
أي : لا تعذبني يوم يبعثون ، وكأن الإخزاء هو العذاب الذي يهتك الستر على صاحبه ، فسأله ألا يهتك الستر عليه ؛ لما خاف أن كان منه ما يهتك الستر عليه ، فسأل ربه ذلك ؛ إذ العصمة لا ترفع عن أصحابها الخوف ، بل كلما عظمت العصمة كان الخوف أشدّ ؛ لأن الأنبياء - صلوات الله عليهم - كان خوفهم أشدّ على دينهم وأنفسهم من غيرهم ، ثم الأمثل فالأمثل ، هم كذلك أشدّ خوفا ممن هو دونهم ؛ ألا ترى إلى قول إبراهيم حيث قال :
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ
[ إبراهيم : 35 ] ، وقال يوسف :
تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
هامش
( 1 ) ينظر : اللباب ( 15 / 19 ) .