تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
أي : فإنهم جميعا عدو لي إلا من عبد رب العالمين . وقال بعضهم : يقول : إن العابد والمعبود كلهم عدوّ لي إلا رب العالمين ، أي : إلا المعبود بالحقيقة الذي يستحق العبادة ، فإنه وليي . وقال بعضهم : ليس على الاستثناء ، ولكن على الابتداء ؛ كأنه قال : أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدوّ لي ، ولكن ربي :
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ
، ذكر هذا لهم أن الإله المستحق للعبادة هو هذا الذي يصنع هذا ، وهو المالك للنفع ودفع الضر ، لا الأصنام التي عبدتم أنتم وآباؤكم . وقوله :
رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً
: قال بعضهم : فهما وعلما ، وجائز أن يكون إبراهيم سأل ربه الإبقاء على الحكم ؛ إذ كان قد أعطاه العلم والحكم ؛ كقوله :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
[ الفاتحة : 6 ] . أو سأل الزيادة على ما أعطاه ؛ كقوله :
وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
[ طه : 114 ] . ويحتمل أن يكون سأل ربه قبول حكمه في الخلق ، ورفع الحرج له عن قلوبهم على ما ذكر في حكم رسول الله ؛ حيث قال :
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ . . .
الآية [ النساء : 65 ] . وقوله :
وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
أي : توفني على ما توفيت الصالحين حتى ألحق بهم ، هذا - والله أعلم - يعني : آله ؛ الإلحاق بالصالحين : أن يتوفاه على الذي توفي أولئك - وهو الإسلام - ليلحق بهم ، والله أعلم . وقوله :
وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ
أي : اجعل لي الثناء الحسن في الناس ، وكذلك إبراهيم - صلوات الله عليه - جميع أهل الأديان على اختلافهم قد انقادوا له وانتسبوا إليه ، وادعوا أنهم على دينه ، وأن دينه هو الذي هم عليه ليس من أهل ملة إلا وهم يتولونه . وقوله - عزّ وجل - :
وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ
أي : اجعلني باقيا من بعد موتي في جنة النعيم ؛ إذ الوارث هو الباقي عن الموروث ؛ وكذلك تأويل قوله :
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها
[ مريم : 40 ] أي : نبقى بعد فناء أهلها ؛ إذ الوارث هو الباقي ؛ فعلى ذلك قول إبراهيم : اجعلني من الباقين في جنة النعيم ، والله أعلم . وقوله :
وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ
: لا يحتمل أن يكون استغفار إبراهيم لأبيه -
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 64 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم