تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 623

مساهمون:

ص٦٢٣
بينه وبينها كان غير مكلف بها ولا مخاطبا معذورا ، ومن لم تمنع عنه ومكن [ من ] ذلك إلا أنه ترك العمل به كان مكلفا به غير معذور ؛ لأنه هو الذي ضيع ذلك وتركه بالاختيار ، والأول غير مضيع لها ولا تارك لذلك أمر ؛ وذلك على المعتزلة ، والله الموفق . وقوله - عزّ وجل - :
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ
. سماه : مباركا ؛ لأن من اتبعه وتمسك به وعمل بما فيه صار شريفا مذكورا عند الناس عظيما على أعينهم وقلوبهم ، وذلك عمل المبارك أن ينال كل بر وخير يكون أبدا على الزيادة والنماء ، والله اعلم . وقوله - عزّ وجل - :
لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ
. أخبر أنه أنزله ؛ ليدبروا في آياته ؛ ليعرفوا ما لهم وما عليهم وما يؤتى وما يتبع ، إنما يعرف ذلك بالتأمل والتدبر والتفكر . وقوله - عزّ وجل - :
وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ
. أي : ليتذكر وليتعظ أولو الألباب بما فيه من المواعظ والآداب وغير ذلك . قوله تعالى :

[ سورة ص ( 38 ) : الآيات 30 إلى 40 ]

وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( 30 ) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ ( 31 ) فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ ( 32 ) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ ( 33 ) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ ( 34 ) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ( 35 ) فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ ( 36 ) وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ ( 37 ) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ ( 38 ) هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 39 ) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ ( 40 ) وقوله - عزّ وجل - :
وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
. أثنى الله - عزّ وجل - على داود وابنه سليمان - عليهما السلام - بالأوبة إليه والرجوع ، وهو ما قال - عزّ وجل - في داود - عليه السلام - :
وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ
[ ص : 17 ] وقد فسرنا الأوّاب . وقال في سليمان - عليه السلام - :
إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ . . .
إلى آخر ما ذكر . دل ذكر قوله - عزّ وجل - :
إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ
على أثر قوله :
إِنَّهُ أَوَّابٌ
أنه إنما كان أوابا بالذي ذكر منه ؛ لأن حرف
إِذْ
لا يذكر إلا عن شيء سبق ، وسمى - عزّ وجل - داود - عليه السلام - : أوابا بما ذكر من تسبيحه بالعشي والإشراق والفزع إليه بما هو به ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ
: