تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 622

مساهمون:

ص٦٢٢
جعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات في هذه الدنيا كالمفسدين في الأرض وجعل المتقين كالفجار ؛ إذ قد سوى بينهم في هذه الدنيا وجمعهم في لذات هذه الدنيا وشهواتها وفي حسناتها وسيئاتها ، وفي الحكمة التفريق بينهما والتمييز ، وقد سوى بينهما في الدنيا على ما ذكرنا من جمعهم في المحنة بالخير والشر ، فلو كان على ما ظن أولئك أن لا بعث ولا حياة ، لكان ذلك جمع وتسوية بين الولي والعدو ، وفي الشاهد من سوى بين من عاداه وبين من والاه ، وجمع بينهما في البر والجزاء كان سفيها غير حكيم ؛ فعلى ذلك الله - سبحانه - لو لم يجعل دارا أخرى يفرق بينهما كان غير حكيم ؛ إذ قد سوى بينهما وجمع ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوّا كبيرا . ثم من الناس من يقول : يجب أن يفرق بينهما في الدارين جميعا في الدنيا والآخرة ، وقد فعل حيث سمى هؤلاء : ضلالا وهؤلاء مؤمنين ، وخذل الكفار ، وأذلهم ، ووفق المؤمنين وأعزهم ؛ وهو قول المعتزلة . ومنهم من يقول : لا يجب ذا في الآخرة ؛ لأن الدنيا دار محنة وابتلاء يمتحن الفريقان جميعا بالخير مرة والشر ثانيا ، وبالحسنة تارة وبالسيئة أخرى على ما أخبر حيث قال - عزّ وجل - :
وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ
[ الأعراف : 168 ] وما ذكر :
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ . . .
الآية [ الأنبياء : 35 ] ، أخبر - عزّ وجل - أنه يمتحنهم ويبتليهم بالخير والشر وبالسيئة والحسنة ، وذلك للفريقين جميعا على ما ذكرنا من جمعه إياهم جميعا في الحالين ، [ وأما الآخرة ] فإنما هي مجعولة للجزاء خاصة ، فهنالك يقع التفريق والتمييز بينهما لا فيما فيه المحنة والابتلاء ، والله أعلم . وأما قولهم : إنه قد فرق بينهما ؛ حيث سمى هؤلاء : ضلالا ، وهؤلاء : مؤمنين ، وخذل هؤلاء ، ووفق أولئك فليس ذلك بتفريق بينهما ؛ لأنه إنما سماهم : ضلالا كفرة بفعلهم الذي اختاروه وصنعوا ، أو أمر آثروه على غيره فإنما هو تسمية فعلهم لا جزاء يجزون « 1 » ، والله أعلم . ثم في قوله - عزّ وجل - :
ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ
- دلالة لزوم الحجة والوعيد على الظن والجهل ، وإن لم يتحقق لهم العلم بذلك إن مكنوا من العلم وجعل لهم سبيل الوصول إلى معرفة ذلك ، وإنما لزمهم ذلك الوعيد والحجة بما هم ضيعوا معرفة ذلك والعلم به ؛ لأنهم لو تأملوا فيه ونظروا ، لوقع لهم علم ذلك ، لكنهم تركوا علم ذلك ، وضيعوه ؛ فلم يعذروا في ذلك ، وعلى ذلك نقول في القدرة : إن من منع عنه القدرة ، وحيل
هامش
( 1 ) في أ : يخرجون .