تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 621

مساهمون:

ص٦٢١
قوله تعالى :

[ سورة ص ( 38 ) : الآيات 27 إلى 29 ]

وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ( 27 ) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ( 28 ) كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 29 ) وقوله - عزّ وجل - :
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا
، الباطل : هو الفعل الذي يذم عليه [ فاعله ] . والحق : هو الفعل الذي يحمد عليه فاعله . وقوله - عزّ وجل - :
ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا
. لم يظن أحد من الكفرة أن الله خلق شيئا باطلا ، لكن يكون خلق ما ذكر من السماوات والأرض وما بينهما من الأهل مخلوقا باطلا على ما عبد أولئك الكفرة وفي حسبانهم ؛ لأن عندهم أن لا بعث ولا حياة بعد ما ماتوا ، فكان خلق ذلك كله لو لم يكن بعث ولا نشور خلقا باطلا لوجهين : أحدهما : أنه لو لم يكن بعث يحصل إنشاؤه إياهم للفناء خاصة ، وإنشاء الشيء وبناؤه للفناء خاصة لا لعاقبة تقصد عبث باطل سفه ؛ كقوله - عزّ وجل - :
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً . . .
إلى آخر الآية [ المؤمنون : 115 ] ، صير خلقه إياهم إذا لم يكن رجوع إليه عبثا ؛ لذلك كان ما ذكرنا . والثاني : أنه لو لم يكن بعث ، لكان خلقهم غير حكمة ؛ لأنه قد جمعهم جميعا في نعيم هذه الدنيا ولذاتها : الولي ، والعدو ، وفي الحكمة التفريق والتمييز بينهما ، فلو لم يكن دار أخرى ليفرق بينهما ، لكان في خلقهم غير حكيم ، وعندهم جميعا أنه حكيم . ثم يقول قتادة في قوله - عزّ وجل - :
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ
إلى قوله :
بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ
يقول : لم يذكر الله - عزّ وجل - من شأن داود - عليه السلام - ما ذكر إلا أن يكون داود قضى نحبه من الدنيا على طاعة الله والعمل له والعدل فيما ولاه الله عزّ وجل ، ولكن الله تعالى وعظ نبيه صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين موعظة بليغة شافية ، ليعلم من ولي [ من ] هذا الحكم شيئا أنه ليس بين الله وبين العباد سبب يعطيهم خيرا ولا يدفع عنهم به شرّا إلا بطاعة الله والعمل بما يرضى . وقوله - عزّ وجل - :
إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ
. أي : جعلنا لك الخلافة فيمن ذكرنا . وقوله - عزّ وجل - :
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ
. هو صلة قوله - عزّ وجل - :
ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا
: كان ظنهم أن لا بعث ولا نشور ، فيقول - والله أعلم - : إنه لو كان على ما ظن أولئك الكفرة : أن لا بعث لكان في ذلك